تخضع العلاقات بين الدول في الفضاء المغاربي والإفريقي لاختبارات دقيقة وحساسة تتطلب الحكمة والالتزام بمبادئ حسن الجوار والاحترام المتبادل للسيادة الوطنية. وفي هذا السياق، برزت في الآونة الأخيرة تصريحات ومواقف سياسية وإعلامية من الجانب المغربي أثارت استياءً واسعاً في الأوساط الرسمية والشعبية الموريتانية، واعتبرها المراقبون تعبيراً عن توتر كامن ونوايا غير إيجابية تجاه نواكشوط.
تأتي هذه التطورات في وقت تحرص فيه موريتانيا على لعب دور متوازن يكرس استقلالية قرارها السياسي، مما يفرض تسليط الضوء على هذه الأزمة من زواياها المتعددة، السياسية، والاقتصادية، والأمنية، فضلاً عن جذورها التاريخية والسيادية.
أولاً: السياق السياسي وتداعيات الخطاب الاستعلائي
شهدت الساحة السياسية مؤخراً تصريحات منسوبة لمسؤولين وشخصيات محسوبة على المؤسسة الرسمية أو الفكرية في المغرب، وُصفت بأنها تقلل من شأن السيادة التاريخية لموريتانيا، فضلاً عن لغة "المنّ" والفضل التاريخي التي لا تليق بالأعراف الدبلوماسية بين الدول المستقلة.
ضرب مبدأ السيادة المتساوية: تعامل الشارع والنخبة السياسية في موريتانيا مع هذه التصريحات باعتبارها مساساً بكرامة الدولة ورفضاً مبطناً لاستقلال القرار الموريتاني.
السيادة على الكويرة: تؤكد موريتانيا باستمرار على موقفها الثابت والحيادي إيجابياً تجاه قضايا النزاع الإقليمي، مع التمسك بسيادتها وحقوقها الاستراتيجية في منطقة "لكويرة" والمناطق الحدودية الحساسة، معتبرة أن أي محاولة للضغط أو التشكيك في التاريخ الموريتاني لن تزيد الشعب الموريتاني إلا إصراراً على حماية وحدته ومكتسباته.
ثانياً: العمق التاريخي.. الرد على محاولات طمس الهوية
في محاولة يائسة للتقليل من عمق الدولة الموريتانية ووجودها التاريخي المستقل، تخرج بين الحين والآخر أصوات تنكر الهوية السياسية لموريتانيا قبل استقلالها الحديث. غير أن الحقائق التاريخية والوثائق الأكاديمية تفند هذه المزاعم تماماً:
إمبراطورية المرابطين: تشهد كتب التاريخ أن حركة المرابطين التي انطلقت من ربوع موريتانيا (الصحراء الكبرى) أسست إمبراطورية كبرى امتدت أراضيها لتشمل المغرب الحالي، وأجزاء واسعة من غرب إفريقيا والجزائر وصولاً إلى نهر السنغال وجنوباً في العمق الإفريقي، وكانت نواكشوط وضواحيها مراكز إشعاع حضاري وعسكري وسياسي.
الدولة السيبيرانية والقبائل: لم تكن موريتانيا فراغاً جغرافياً، بل كانت حاضنة لمجتمع منظم تحكمه أعراف وقوانين إسلامية وقبلية محكمة، قاومت الاستعمار بضراوة قبل أن تعلن استقلالها الوطني المعترف به دولياً عام 1960.
ثالثاً: التداعيات الاقتصادية والأمنية على المنطقة
إن استمرار الاحتقان الدبلوماسي وتصاعد لغة التشكيك يهدد مصالح إستراتيجية مشتركة، ويفتح الباب أمام تداعيات وخيمة لا تقتصر على البلدين فحسب، بل تمتد لتشمل استقرار منطقة الساحل والصحراء وشمال إفريقيا:
التعاون الاقتصادي والتجاري: تُعدّ المعابر الحدودية والتبادل التجاري بين موريتانيا والمغرب شرياناً حيوياً يعود بالنفع على الجانبين. أي تصعيد سياسي قد ينعكس سلباً على حركة السلع، الأمن الغذائي، والاستثمار المشترك، ويدفع باتجاه تنويع الشراكات الاقتصادية لنواكشوط نحو فضاءات إقليمية ودولية أخرى أكثر استقراراً.
الأمن والاستقرار الإقليمي: تواجه منطقة الساحل والصحراء تحديات أمنية هائلة تتمثل في الإرهاب، الجريمة المنظمة، والهجرة غير الشرعية. إن أي توتر بين موريتانيا والمغرب يضعف الجبهة المشتركة المطلوبة لمواجهة هذه المخاطر العابرة للحدود، ويخلق ثغرات أمنية تستغلها التنظيمات المتطرفة لزعزعة استقرار المنطقة برمتها.
الخلاصة والموقف الموريتاني
إن موريتانيا، بتاريخها العريق وموقعها الجيوسياسي المحوري، تظل حريصة على بناء علاقات متوازنة قائمة على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. غير أن الصمت أو التغاضي عن التصريحات الاستفزازية لم يعد متاحاً في ظل وعي وطني متزايد بضرورة حماية السيادة وكرامة الوطن.
إن استقرار المنطقة المغاربية والإفريقية يتطلب من الأطراف كافة التخلي عن لغة الوصاية والاستعلاء، والاعتراف المتبادل بحقوق الدول وسيادتها الكاملة على أراضيها وحدودها، وفي مقدمتها الحق الموريتاني الثابت في سيادته ومواقفه الاستراتيجية.




