الجغرافيا والتاريخ لا يموتان: موريتانيا والمغرب فوق صفيح الشائعات/ الياس محمد

خميس, 22/10/2026 - 19:41

في عالم يمور بالمتغيرات وتتقاذفه أمواج التحولات الجيوسياسية، تبرز بين حين وآخر أصوات ناشزة، و"أبواق" مغرضة تسعى لتعكير صفو العلاقات الأخوية المتجذرة بين الدول الشقيقة. ولعل أحدث حلقات هذا المسلسل العبثي ما يتم الترويج له مؤخراً من قبل بعض الدوائر المشبوهة حول وجود "توترات وشيكة" أو "سوء تفاهم مصطنع" بين موريتانيا والمملكة المغربية الشقيقة على خلفية ملفات حدودية وهمية كمدينة "لكويرة". غير أن قراءة متأنية للواقع ولحكمة القيادات في البلدين تؤكد أن هذه الشائعات ليست سوى فقاعات صابون سرعان ما تتبخر أمام صخرة الوعي المشترك والروابط التاريخية العصية على التصدع.

أولاً: صفعات دبلوماسية تقبر أوهام المرجفين

لقد جاء التصريح الأخير لرئيسة الحكومة المغربية حاسماً وقاطعاً، لا يقبل التأويل ولا التأويل المضاد، حيث نفى نفياً قاطعاً كل تلك الأكاذيب والترهات التي يروج لها البعض ممن يزعجهم دفء العلاقات الثنائية. وتكامل هذا الموقف مع التأكيد الرسمي الصريح للناطق باسم الحكومة المغربية، ليوجه ضربة موجعة لكل محاولات الاصطياد في الماء العكر التي تمارسها أطراف تسعى عبثاً لإذكاء نار التوجس والقطيعة. إن هذا الوضوح الشفاف من أعلى الهرم الإداري والسياسي في الرباط يقطع دابر الفتنة، ويؤكد أن المؤسسات الرسمية في البلدين تقف بالمرصاد لكل محاولات التشويش الإعلامي والرقمي.

ثانياً: الدبلوماسية الموريتانية.. التوازن الحكيم والعمق الاستراتيجي

من منظور موريتاني، يتأكد يوماً بعد يوم ثبات العقيدة الدبلوماسية لنواكشوط القائمة على الحكمة، والنأي بالنفس عن الدخول في متاهات المحاور الضيقة. إننا في موريتانيا لا نقبل بأي شكل من الأشكال السماح بأي تشويش أو سوء تفاهم مع أشقائنا في المملكة المغربية، تماماً كما نحرص أشد الحرص على متانة وعمق علاقاتنا الأخوية مع أشقائنا الصحراويين ومع الجزائر العاصمة وباقي دول الفضاء المغاربي. إن موريتانيا تدرك جيداً أن أمن واستقرار الجوار الإقليمي كلٌ لا يتجزأ. فسياسة الانفتاح الدبلوماسي التي تنتهجها نواكشوط ليست حياداً سلبياً، بل هي انحياز واعٍ لمصالح الشعوب المغاربية في التكامل والتعاون، وإيمان راسخ بأن روابط الدم والدين والتاريخ أثمن بكثير من أن تُضحى بها على مسبحة الخلافات الظرفية.

ثالثاً: جذور متأصلة.. روابط راسخة رسوخ الجبال

حين نتحدث عن العلاقات الموريتانية المغربية، فإننا لا نتحدث عن مصالح سياسية عابرة تتبدل بتبدل التحالفات، بل نستلهم إرثاً حضارياً وإنسانياً عريقاً غرس أوتاده العلماء، وروته قوافل التجارة، ووطدته أواصر الرحم والمصير المشترك عبر القرون. إن عرى الأخوة بين الشعبين الشقيقين تتجاوز دائماً كل المطبات السياسية؛ فهي روابط متأصلة تنبع من عمق الهوية والقيم والمشتركات الدينية والحضارية التي لا يمكن لأي قلم مغرض أو تدوينة عابرة أن تزحزحها. وإذا كانت الجغرافيا فرضت جواراً أبدياً، فإن التاريخ اصطفى لهذا الجوار أن يكون تكاملاً واعتزازاً متبادلاً.

الخاتمة: الفضاء المغاربي.. قدر لا مفر منه نحو المستقبل

إن محاولات النفخ في رماد الشائعات بشأن "لكويرة" أو غيرها تفشل دائماً لأنها تصطدم بوعي شعبي ورسمي عارم في نواكشوط والرباط يدرك حجم المخاطر والتحديات الإقليمية المشتركة. عُرى الأخوة بين البلدين أرفع شأناً من أن تهزها زوابع عابرة، وهي راسخة رسوخ "جبال موريتانية" الشامخة وثابتة ثبات "جبال الأطلس" الأبيّة. إن شعوب المنطقة اليوم تتطلع إلى مزيد من البناء والتكامل، وتدرك يقيناً أن رص الصفوف ووئام الجوار هما السبيل الوحيد لتحقيق التنمية والازدهار، وأن أعداء الاستقرار لن ينالوا من أمة نبتت جذورها في عمق التاريخ وتتطلع بثقة نحو آفاق المستقبل المشترك.