على امتداد ثلاثة عقود ظلت تامشكط تنتخب ممثليها إلى البرلمان والمجالس البلدية والجهوية على أمل أن يتحول الصوت الانتخابي إلى فعلٍ تنموي وأن تصبح الوعود برامج وأن يغدو الخطاب واقعاً ملموسا غير أن حصيلة السنوات الطويلة لم تكن سوى تراكم للفشل وتضاعفٍ في الإحباط، واتساعٍ في هوة الثقة بين المواطن ومن انتخبهم ليمثلوه
لم ينفذ المنتخبون الوعود التي قطعوها خلال الاستحقاقات التشريعية ولم تحمل المجالس البلدية همّاً عاماً بقدر ما انشغلت بهموم ضيقة لا تعكس معاناة الناس اليومية فمنذ إنشاء البرلمان والمجالس المحلية وتامشكط تختار ممثلين عنها عاماً بعد عام لكن واقعها لم يتغير إلا إلى مزيد من البؤس والحرمان والإهمال وكأن العملية الانتخابية باتت طقساً دورياً لا يفضي إلى أثر ولا يغير من معادلة التهميش شيئاً
أي منطق يستقيم حين نعلم أن تامشكط ما تزال تعاني من أبسط بديهيات الحقوق من خدمات أساسية وفرص تنموية ومع ذلك لها نواب ومجالس بلدية وجهوية؟ كان من المفترض أن يكون هؤلاء المنتخبون صوت معاناتها وأن ينقلوا آلامها إلى الجهات المعنية وأن يدافعوا عن حقوقها في أروقة القرار لكنهم بدلاً من ذلك، لزموا صمتاً يشبه صمت القبور واكتفوا بترديد عبارات الثناء لكل من تعاقب على السلطة منذ الاستقلال إلى اليوم دون أن يجرؤوا على مساءلة أو مطالبة جادة
لقد دأبت الوجوه نفسها أو التي تدور في الفلك ذاته على خداع العوام بأسماء مزخرفة وشعارات براقة وخطابات رنانة في مسرحية تتكرر كل خمس سنوات في كل موسم انتخابي يولد خطاب جديد، وتُنسج وعود جديدة، لكنها في جوهرها النسخة ذاتها بأسماء مختلفة تتبدل العناوين وتبقى المضامين خاوية تُعلن وظائف باسم المقاطعة ويُروَّج لإنجازات على الورق لكنها لا تتجاوز حدود الحبر فلا تُرى في الميدان ولا تلمسها حياة الناس
منتخبون لا يعرفون من حل مشاكل المواطنين سوى إطلاق الوعود خلال الفترة الانتخابية ثم يختفون بعدها كما يذوب الملح في الماء لا أثر يُروى ولا صوت يُسمع تمر السنوات وتتكرر الدورات بينما تظل المقاطعة غارقة في العطش والبؤس والحرمان والإهمال رغم وجود مجلس بلدي ونواب في البرلمان ومجلس جهوي وأطر وإداريين كأن تعدد الهياكل لم يكن إلا واجهة شكلية لا تنعكس آثارها على واقع الناس
إن مأساة تامشكط ليست في غياب المؤسسات بل في غياب الفاعلية ليست في انعدام التمثيل بل في خواء التمثيل من معناه الحقيقي فحين يتحول المنصب إلى غاية والانتخاب إلى وسيلة للصعود الشخصي تضيع الرسالة ويُختزل الشأن العام في مصالح خاصة ويصبح المواطن مجرد رقم في سجل انتخابي
ثلاثون عاماً من الفشل ليست مجرد رقم زمني بل هي ذاكرة مثقلة بالوعود المؤجلة والآمال المكسورة والفرص الضائعة إنها دعوة إلى مراجعة عميقة لمعنى التمثيل ولمسؤولية المنتخب أمام ناخبيه وإلى وعيٍ مجتمعي لا يكتفي بالتصفيق للخطابات بل يحاسب على النتائج ويقيس الأقوال بالأفعال
فبقاء الحال على ما هو عليه لا يعني إلا استمرار الدائرة المغلقة ذاتها وعود تتكرر وانتخابات تتجدد وواقع لا يتغير
كل التفاعلات:
٥٥



