
ليست العلاقة الموريتانية المغربية علاقة جوار عابر، ولا مصالح ظرفية، إنها علاقة دم وتاريخ وجغرافيا ومصير مشترك. علاقة شعبين شقيقين تشابكت أنسابهما وتوحدت ثقافتهما، وتقاسما الصحراء والبحر والمذهب واللغة. وإذا كانت السياسة تعرف تقلبات، فإن متانة العلاقات الموريتانية المغربية ظلت هي الثابت الاستراتيجي في المنطقة. علاقات بنيت على الاحترام المتبادل، وعدم التدخل، والتعاون الأمني والاقتصادي والثقافي، ورعاية الجاليات، والتنسيق الدائم في المحافل الإقليمية والدولية.
وقد أثبتت الرباط ونواكشوط في كل المحطات أن منطق الأخوة يتقدم على منطق الحسابات الضيقة. موريتانيا.. حياد الحكماء وثبات الموقف ومن قلب هذه الأخوة المتينة، اتخذت موريتانيا منذ عقود موقفا مبدئيا حكيما من قضية الصحراء، عنوانه الحياد الإيجابي. حياد لا يعني السلبية، بل يعني الالتزام بالشرعية الدولية، ودعم جهود الأمم المتحدة، والتمسك بأن الحل لا يمكن أن يكون إلا سلميا، توافقيا، يرضي جميع الأطراف، ويحفظ السلم في المنطقة المغاربية. موريتانيا لم تكن يوما طرفا في النزاع، بل كانت وما تزال بيت الحكمة، والجسر الذي يعبر عليه الجميع.
وهي إذ تؤكد حيادها، فإنها تؤكد في الآن ذاته أن الشعب المغربي شقيق، والشعب الصحراوي شقيق، ولا خيار أمام الأشقاء إلا الحوار والمستقبل المشترك. لكويرة.. رمز السيادة المؤجلة وحكمة الدولة وفي قلب هذا الملف، تبرز مدينة لكويرة كعنوان للسيادة الأخلاقية والموقف المبدئي للدولة الموريتانية. إن موقف نواكشوط من لكويرة لم يتغير منذ اليوم الأول:
موريتانيا لا تمارس السيادة الفعلية على لكويرة، ولا تريد أن توظفها كورقة مزايدة، بل أعلنت بكل وضوح ومسؤولية أن هذه الأرض ستسلم للجهة التي سيؤول إليها الحل النهائي لقضية الصحراء وفق ما تقرره الأمم المتحدة. إنه موقف تاريخي، فريد في نزاهته، يؤكد أن موريتانيا لا تبحث عن غنيمة جغرافية، ولا عن مكسب سياسي آني، بل تبحث عن سلام دائم. هي أمانة جغرافية في عنق الدولة الموريتانية، ستحفظها حتى يحين أوان الحل النهائي، فتسلمها لمن له الحق بميزان الشرعية الدولية.
هذا الموقف هو الذي يجعل موريتانيا محل ثقة الجميع، ومحل احترام الرباط، ومحل تقدير القيادة الصحراوية، ومحل إشادة المجتمع الدولي. أخوة لا تقبل القسمة إن موريتانيا والمغرب أخوة أشقاء، ومثلهم الشعب الصحراوي الشقيق، تربطهم أواصر الدين والدم واللغة والتاريخ المشترك من شنقيط إلى فاس، ومن واد نون إلى نهر السنغال. وإن قوة العلاقات الموريتانية المغربية اليوم، سياسيا واقتصاديا وأمنيا، هي الضمانة الحقيقية لاستقرار المنطقة، وهي الحاضنة لأي حل مستقبلي لقضية الصحراء. فكلما كانت نواكشوط والرباط بخير، كانت الصحراء كلها بخير. لقد اختارت موريتانيا طريق الحكمة، طريق الحياد الملتزم، طريق الأخوة التي لا تفرق بين مغربي وصحراوي، واختارت أن تكون لكويرة شاهدا على هذا الثبات، لا بؤرة للصراع، بل لب الحل حين يحين موعد الحل.




