دروب المجد ووثائق الذاكرة: رحلة قبيلة إجمان المغفرية الهاشمية في فضاءات الصحراء

أربعاء, 21/10/2026 - 18:00

فاتحة تاريخية: أصول الامتداد وخريطة الترابط

تُشكل قبيلة إجمان (المغفرية الهاشمية) إحدى الركائز التاريخية البارزة التي ساهمت في صياغة المشهد البشري والسياسي والثقافي في ربوع الصحراء الكبرى. ويتطلب تتبع مسيرتها قراءة متأنية تجمع بين شواهد الرواية التاريخية، ومعطيات الأنثروبولوجيا، والتحليل الموثق لنصوص المخطوطات والوثائق القضائية المحفوظة في خزائن الذاكرة الوطنية والإقليمية، مدعومة بشهادات أعلام الشعر والتوثيق كالعلامة والشاعر اغن ولد إكرم.

أولاً: الحوض والنعمة.. الاستقرار التام وشرعية الملكية

فترة الاستقرار الكبرى: استقرت قبيلة إجمان في منطقة الحوض، وتحديداً في فضاء "النعمة وواد بنعمان"، في الفترة الواقعة بين عامي 1073 هجرية و1100 هجرية.

امتداد الفرع (أولاد موسى بن أجم): تجدر الإشارة إلى أن فرع "أولاد موسى بن أجم" قد مروا عبر الوادي ذاته في حدود الفترة ما بين 996 هجرية و1045 هجرية، قبل أن يستقر بهم المقام نهائياً في منطقة "كلانمبارا" بجمهورية مالي (بوار).

إشكالية الرواية والوثائق: تملك قبيلة إجمان مدينة النعمة ملكية تامة وثابتة تاريخياً. وفي مقابل ذلك، تروج رواية شفهية تفيد بأن قبيلة "كنتة" اشترت منهم المنطقة بعد أن أهدوها لشرفة النعمة، وأنهم دفعوا ثمنها أربعين حلوباً من البقر. غير أن الاستقراء التاريخي المنهجي والبحث الأكاديمي الرصين لم يعثرا على سند مكتوب يثبت هذه الرواية، مما يجعلها في مصاف المرويات التي تخضع لتمحيص المصادر.

محطة مدينة تكبة: نزل إجمان في مدينة تكبة في حدود عام 1020 هجرية (وفقاً لتحديد المؤرخ العلامة المصطفى العربي الأبيري). وقد فرض الأمير الكبير راها بن حيبل الجماني سيطرته ونفوذه على كل من يشرب من عيون تكبة، في دلالة واضحة على السيادة والمنعة التي تمتعت بها القيادة الجمانية في تلك الربوع.

ثانياً: تيشيت التاريخية والشاهد التاريخي "اغن ولد إكرم".. إشعاع علمي وقضائي تحكيه المخطوطات

الشهادة التاريخية للشاعر ولد آكرم:  (وكذلك ما ورد في كرز شاعر القبيلة الأزقم لكبير ولد آكرم) بمثابة الشاهد الحي والمرجع التوثيقي لأطوار الترحال والنزول؛ فقد وثقت أشعار ولد آكرم محطات استقرار إجمان وتنقلهم في فضاءات الصحراء، مؤكدة نزولهم بمدينة تيشيت العريقة في حدود عام 970 هجرية، لتشكل نصوصه الشعرية وثيقة أدبية وتاريخية قائمة بذاتها تؤرخ لتلك الحقب المبكرة.

دلالة الوثائق المكتوبة مقابل غياب الآثار: على الرغم من أن الآثار العمرانية المادية المباشرة في تيشيت قد اندثرت أو غُيبت بفعل الزمن وتقلبات البيئة، إلا أن خزائن المخطوطات (في المكتبات الغربية والأهلية) قدمت أدلة دامغة تثبت الحضور العلمي والثقافي لإجمان؛ فقد عُثر على عشرات الوثائق التي تثبت ملكيات لكتب نُسخت لشخصيات إجمانية، يتقدمهم أولاد الحاج الطيب (مثل أعمر بن الحاج الطيب، إخوته، وابن أهيه).

حضور قضائي وعلمي موثق: أثبتت وثائق قضائية أن عمي بن الحاج الطيب قد تولى منصب القضاء في المدينة، ناهيك عن العثور على أسانيد للفقيه محمد بن الحاج عثمان، وأنظام تشيد بعلاقته العلمية مع ابن الأعمش. كما وُجدت وثيقة دين تاريخية تحمل توقيع العلامة اهمار أسري المسلمي الفهري التيشيتي لأحد رجال إجمان، وهو ما يكرس العمق الاجتماعي والثقافي للقبيلة في تلك الحاضرة.

ثالثاً: في ديار اترارزه وآدرار (أوجفت وأطار)

محطة اترارزه: توثق شواهد الشعر (بما فيها شهادات اغن ولد إكرم وولد آكروم) ويؤكد المؤرخ الفرنسي بول مارتي، أن إجمان نزلوا أرض اترارزه وجعلوا منها مخيماً لهم في حدود عام 1035 هجرية، قبل أن يغادروها مهاجرين نحو الشرق سنة 1040 هجرية. وكان شابهم يومئذٍ الطالب الصديق الجمان رئيساً لمخيمهم، وفق توثيق بول مارتي.

القدم في أدرار (أوجفت وأطار): تشير المصادر التوثيقية وشعر اغن ولد إكرم إلى وجود مبكر لإجمان في أدرار ما بين القرنين الثامن والتاسع الهجريين (800 - 900 هجرية).

قصة حمال والخطبة الشهيرة: عقب هجرة إجمان إلى الحوض واستقرارهم هنالك، عاد بعضهم لطلب العلم في أدرار، وكان من أبرزهم حمال (ابن عم الأمير الجمان عبد اللطيف بن الطالب الحسن الجماني). تزامنت هجرة حمال مع حرب أولاد الناصر وإجمان التي قادها الأمير عبد اللطيف. استقر حمال في أوجفت وغدا مضرب المثل في الشهامة والكرم والشجاعة حتى بعد مماته؛ إذ خلد خطباء أوجفت سيرته في خطبة شهيرة سُميت "خطبة حمال" ومطلعها:

"أين حمال؟.. حمال المال، المعرفة، الشهامة، الكرامة، القوة، الشجاعة..."

وقد استوطن آدرار نحو أربعين أسرة من صلبه عرفوا بـ آل سيدي عبد الله بن حمال. كما لحقه فراو بن الحاج عثمان الذي استقر أحفاده ببلاد الحرم.

خلاصة تاريخية وترحالة كبرى

قبل استقرارهم النهائي في حواضر الشرق الموريتاني، كانت قبيلة إجمان تحل وترتحل ضمن التنظيم الحساني القادم من فضاءات وادنون، موثقةً مسيرتها بأبيات وشهادات خالدة لأعلامها من أمثال اغن ولد إكرم، حاملةً لواء السيادة والتحصيل العلمي، لتترك بصمات لا تمحى في الذاكرة التاريخية لمختلف ربوع الصحراء....

المرجع رابطة إجمان العالمية