
يضع تقرير منظمة "الشفافية الشاملة" برئاسة السيناتور السابق محمد ولد غده الرأي العام والسلطات القضائية والتنفيذية أمام ملف بالغ الخطورة، يربط بين حوادث احتراق محطتي التحويل الكهربائيتين في نواكشوط بشبهات فساد إداري وصفقات مشبوهة. ولا يقتصر التقرير على معالجة خلل فني بحت، بل يغوص في تقاطعات معقدة بين المال السياسي، وصفقات القطاع العام، وتضارب المصالح.
الأدلة الفنية والقرائن الميدانية
- ربط زمني مباشر: أكدت مصادر فنية من داخل شركة "صوملك" أن اندلاع الحريقين جاء مباشرة بعد تركيب كابلات جهد متوسط جديدة وربطها من طرف شركة "CTM باتيماه"، مما استدعى فصلها احترازياً لاحقاً.
- غياب الكفاءة الهندسية: أشار التقرير إلى أن عمليات الربط المعقدة لم يشرف عليها فريق هندسي متخصص، بل تولى تنسيقها شاب ينتمي للأسرة الضيقة للنائب البرلماني مالك الشركة المستفيدة.
- شهادات حية وتسجيلات: استندت المنظمة إلى إفادة مسؤول بـ "صوملك" أكد من خلال معاينة تسجيلات مصورة سبقت الحادث أن الأدخنة انبعثت أولاً من الصناديق المرتبطة بالكابلات الجديدة، مما يفند نهائياً فرضية الأعمال التخريبية.
- دحض فرضية الأحمال: أدى اشتعال المحطة الغربية غير المرتبطة بخط كهرباء "إيديني" إلى إسقاط فرضية الحمولة الإضافية الناتجة عن ذلك الخط، وحصر الشبهة في أعمال شركة "CTM".
تضارب المصالح والشبهات القانونية يثير التقرير زاوية قانونية وسياسية بالغة الحساسية تتمثل في تولي شركة "CTM باتيماه"، المملوكة لنائب برلماني عن ولاية نواكشوط الجنوبية، تنفيذ صفقات عمومية حساسة. وتستند المنظمة في ذلك إلى المادة 7 من القانون رقم 038-2013 المتعلق بحالات تعارض المصالح، والتي تحظر صراحة على النائب البرلماني ترؤس أو تسيير شركة تنفذ صفقات ممولة من خزينة الدولة طيلة مأموريته. ويطرح هذا الواقع تساؤلات كبرى حول مدى وجود معاملة تفضيلية من طرف لجنة الصفقات في "صوملك" لصالح شركات محسوبة على نافذين سياسياً.
تناقض الرواية الرسمية مع المعطيات الميدانية سلط التقرير الضوء على التناقض الحاصل بين تصريحات وزير الطاقة والنفط، محمد ولد خالد، الذي دافع عن كفاءة الشركات المنفذة وأكد أن المحطات ذات عمر افتراضي طويل ولم تُدخل عليها محولات جديدة سوى كابلات البرنامج الاستعجالي، وبين المعطيات التقنية التي تقدمها المنظمة وتشكك في مطابقة تلك الكابلات للمواصفات وغياب الخبرة الفنية للطاقم المنفذ.
التوصيات وخارطة طريق التحقيق اختتمت المنظمة تقريرها برفع الوثائق إلى الوزير الأول، المختار ولد اجاي، وإلى رئيس لجنة التحقيق، عثمان مامدو كان، موصية باتخاذ خطوات عملية دقيقة تتضمن:
- استخراج وتفريغ تسجيلات كاميرات المراقبة الداخلية للمحطات المحترقة وتحليلها تقنياً.
- فحص الكابلات مخبرياً للتحقق من جودة مواد العزل ونوعية المعادن المستخدمة ومطابقتها للمعايير المعمارية والفنية.
- التدقيق في كفاءة وخبرات الطاقم الميداني الذي أشرف على التركيب.
- مراجعة سجلات الشركات المستفيدة وتقييم مدى صحة خبراتها السابقة المعلنة بالتعاون مع جهات مثل "سنيم".
تتحول هذه القضية بهذا الحجم من التوثيق إلى اختبار حقيقي لمدى قدرة لجان التحقيق الحكومية والجهات الرقابية على اختراق "الخطوط الحمراء" المرتبطة بالمصالح السياسية للنافذين، وفرض مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة في قطاعات حيوية تمس الأمن القومي والاقتصادي للبلاد.




