أزمة التداخل بين النفوذ والشرعية أين تسير  موريتانيا / الياس محمد

خميس, 27/08/2026 - 23:12

 

تتداخل في المشهد الموريتاني الراهن أزمات هيكلية وظرفية تتكاثف في توقيت حرج، لتشكل اختباراً حقيقياً لصلابة النظام السياسي وقدرة مؤسساته على الصمود. إن تراجع الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه ومحروقات بالتزامن مع ذروة الحرارة، لا يقرأ بمعزل عن حراك سياسي محموم يتقاطع فيه صراع الأجنحة داخل السلطة مع طموحات شبكات المصالح التقليدية والجديدة.

تآكل هيبة الدولة وتعدد مراكز النفوذ: يظهر العجز الحكومي المتكرر في إدارة الأزمات الخدمية كعرض لمرض إداري أعمق، تتمثل في تشابك الصلاحيات وغياب الحكامة الرشيدة لصالح مراكز نفوذ خفية تدير مقدرات قطاعات حيوية بمنطق الغنيمة لا بمنطق الدولة، مما يفقد الجهاز التنفيذي فعاليته ويهز ثقة المواطن في كفاءته.

فخ الالتفاف على الدستور والمأمورية: يمثل الحديث المبكر عن "المأمورية الثالثة" أو الترتيبات لخلافة مبكرة ورقة ضغط يلوح بها المستفيدون من الوضع القائم، وهي ظاهرة متكررة في تاريخ النظم السياسية الوطنية تهدف إلى إشغال رأس الدولة بمعارك جانبية، وتفريغ مأموريته الحالية من محتواها الإصلاحي، وتوجيه الجهد السياسي نحو صراعات الصالونات بدلاً من التنمية.

تاريخ متكرر من الاستهداف الممنهج: تكشف القراءة التاريخية لتجربة الرؤساء في موريتانيا (مثل سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله ومعاوية ولد سيد أحمد طايع) عن نمط متكرر؛ حيث يعمل المحيطون بالرئيس والمقربون من دوائر صنع القرار على توريط النظام في أزمات معيشية وافتعال احتقان سياسي، لتقويض شعبيته ودفع البلاد نحو الفوضى أو الانقلاب كلما لوح بارقة أمل لتقليص نفوذ شبكات الفساد والريع.

آفاق ومسارات المشهد السياسي

يقف الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني أمام مفترق طرق حاسم؛ فإما الاستمرار في نهج التهدئة والاحتواء الذي يفسره الطامعون ضعفاً، وإما حزم سياسي وإداري يفرض سلطة القانون ويضرب بيد من حديد على رموز الفساد وشبكات التلاعب بمعاش المواطنين.

إن استعادة هيبة الدولة لا تكتمل إلا بفك الارتباط بين القرار السياسي ومراكز النفوذ الضيقة، وقطع الطريق على أصوات التملق ودعاة الانقلاب والمستفيدين من أزمات الوطن. فالصمت أو التردد في هذه اللحظة التاريخية قد يمنح الخصوم والمتربصين فرصة لتخريب مسار الاستقرار، مما يجعل الحزم الرئاسي واستعادة المبادرة الإصلاحية ضرورة لا غنى عنها لحماية النظام والدولة معاً