شريح الأزمة العميقة: بنيوية الدولة الرخوة وصراع الأجنحة في موريتانيا

خميس, 27/08/2026 - 23:07

تتجاوز الانتكاسات المتتالية التي تعيشها موريتانيا اليوم حدود الأزمات الظرفية أو الاخفاقات الإدارية المعزولة، لتلامس البنية العميقة لدولة الريع، حيث تتشابك خيوط السلطة التقليدية والمال والأمن في شبكة معقدة تستفيد من استمرار حالة الرخوة المؤسسية. إن تلاحم أزمات المحروقات والكهرباء والعطش في توقيت واحد، وسط صخب سياسي محموم، ليس وليد الصدفة البيولوجية أو المناخية، بل هو تعبير مادي عن صراع صامت وشرس على "ميراث السلطة" وترتيبات ما بعد الغزواني، في مشهد يعيد إنتاج ذات السيناريوهات التخريبية التي أجهضت التجارب الرئاسية السابقة.

  • أوليغارشية الريع واختطاف القرار: تعتمد البنية السياسية والاقتصادية في موريتانيا على شبكات مصالح متصلبة تتحكم مفاصلها في قطاعات الطاقة والصفقات العمومية والتموين. هذه الشبكات لا تهاب الرئيس بشخصه بقدر ما تخشى أي توجه جدي لإصلاح مؤسسي يهدد امتيازاتها التاريخية. ومن هنا، فإن تعطيل الخدمات وافتعال الأزمات المعيشية يعملان كأداة ضغط غير مباشرة لتطويع القرار الرئاسي، وإشعار رأس الدولة باستمرار عجز الجهاز التنفيذي عن الاستمرار بمعزل عن رضا هذه الدوائر النافذة.
  • فخ "البطانة" وهندسة الانهاك الممنهج: تكشف القراءة السوسيولوجية والسياسية لتجربة الأنظمة المتعاقبة في موريتانيا عن نمط متكرر وثابت؛ إذ يبدأ التآكل الحقيقي لأي نظام من محيطه الضيق. فالمقربون والنافذون داخل دوائر صنع القرار يفضلون غالباً إغراق الرئيس في معارك جانبية، وتغذية الصراعات الخفية، وتشجيع أصوات التملق (مثل بدع المأموريات والمناورات العبثية)، لعزل المؤسسة الرئاسية عن نبض الشارع وعمقها الشعبي. هذا الإنهاك الممنهج يهدف إلى تجريد الرئيس من ظهره الشعبي، حتى إذا ما وقع المحظور أو أطبقت الأزمات، وجدت قوى الشد الخلفي المجال متاحاً لفرض أجنداتها، سواء عبر انقلاب أبيض، أو ترتيبات قسرية تضمن إعادة تدوير النخبة نفسها بوجوه جديدة.
  • أزمة الشرعية والدولة الرخوة: يكمن المأزق الأعمق في ضعف المناعة المؤسسية للدولة مقابل صعود الأفراد والمجموعات. عندما تتحول الإدارة العامة إلى غنيمة سياسية وتغيب المحاسبة الصارمة، تفقد الدولة هيبتها القانونية لصالح منطق الزبونية والولاءات الضيقة. المدوّنون بلا ضمير، وخطاب الفساد المتفشي، والدعوات المشبوهة للانقلاب، ليست سوى أعراض جانبية لمرض عضال يتمثل في تآكل العقد الاجتماعي لصالح اقتصاديات الولاء والمنافع الشخصية.

أفق المواجهة والتاريخ المعلق

يقف الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني اليوم أمام محطة تاريخية فاصلة لا تقبل التردد ولا الحلول الوسطى. فالاستمرار في سياسة التهدئة والاحتواء والتعايش مع مراكز النفوذ لم يعد يفسر بالحكمة، بل يُقرأ في ميزان السياسة ضعفاً يغري المتربصين بالمزيد من تقويض هيبة الدولة. إن الخروج من هذا النفق المظلم يتطلب جراحة مؤسسية قاسية ومفصلية: ضرب شبكات الريع والفساد بيد من حديد، تطهير محيط القرار من المتاجرين بالاستقرار، وإعادة الاعتبار لسلطة القانون والدستور بغض النظر عن سخط النافذين أو تذمر المستفيدين.

فالتاريخ الموريتاني لا يرحم الحاكمين الذين يترددون في حسم خياراتهم المصيرية، والفرصة المتاحة اليوم لاستعادة الدولة ومؤسساتها قد تكون الأخيرة قبل أن تبتلع أزمات الداخل المشروع الوطني بأكمله.