
– قسم التحقيقات – موقع الاعلامي
المقدمة: حين يصبح السفر انتحارا
في موريتانيا، لا يسأل الناس "متى تصل؟" بل "هل ستصل؟". من النعمة في أقصى الشرق 1200 كلم إلى نواذيبو في الشمال، تحولت شبكة الطرق الوطنية البالغة حوالي 12 ألف كلم إلى أخطر مكان في البلاد. منظمة الصحة العالمية تقول إن حوادث الطرق هي القاتل الأول للشباب بين 5 و 29 سنة عالميا، وموريتانيا هي واحدة من أسوأ النماذج في أفريقيا.
تشريح طرق الموت الأربعة
. طريق الأمل: 1200كلم من الدم
يربط نواكشوط بالنعمة عاصمة الحوض الشرقي. بدأ العمل فيه عام 1975 وهو شريان حياة لسكان الشرق وطريق عبور السلع إلى مالي. اليوم معالمه هي هياكل سيارات شاهدة على أعداد حوادث السير وجثث حيوانات نافقة على جوانبه.
هذا الطريق وحده شهد في 2026 حادث الغشوات عند الكلم 85 الذي قتل 8 أشخاص بتصادم حافلة وشاحنة، وحادث آخر عند الكلم 90 قتل شخصين، وانقلاب شاحنتين أغلق الطريق تماما عند واد الناقة وبوتلميت.
طريق نواكشوط - نواذيبو: 470 كلم أصبحت تسمي طريق الموت بكثرة الحوادث القاتلة
هو طريق الاقتصاد، لكنه مغطى بالرمال بنسبة تجاوزت 60% في بعض الفترات. يتحدث الناقلون عن تدهور بعض مقاطعه وتأثير زحف الرمال ما يزيد من احتمالات الحوادث. شهد حوادث دامية عند الكلم 20 قتل فيها 4 أشخاص، وعند الكلم 120 و 122.
3. طريق نواكشوط - روصو: طريق الجنوب المنسي
طريق ضيق ومتهالك، شهد وفاة عند الكلم 75، وهو يعاني من هشاشة واضحة في البنية التحتية وتدهور مستمر في جودة الطرق وغياب الخدمات اللوجستية الأساسية.
4. طريق نواكشوط - أطار - أكجوجت: طريق الشمال
كلم يربط العاصمة بالشمال. حادث واحد عليه بين أكجوجت وأطار أودى بحياة 3 أشخاص من أسرة واحدة.
الفصل الثاني: الأرقام.. حرب غير معلنة
الأرقام التي تجمعها حملة "معا للحد من حوادث السير" وحدها مرعبة لأن الدولة لا تنشر إحصائيات رسمية شفافة:
في الأسبوع الأول من سبتمبر فقط: 16 وفاة بسبب الحوادث. أي بمعدل أكثر من شخصين كل يوم.
خلال 24 ساعة فقط: 6 حوادث تبتلع الأسفلت وتصادم مروع لحافلة طلاب.
نسبة الوفاة في مكان الحادث: 88 حالة وفاة في المكان أو أثناء النقل، ما يعادل 18.8% من إجمالي الحالات، وهو معدل عال جدا يعكس إما خطورة الحوادث أو تأخر التدخل الإسعافي أو ضعف المعدات الطبية على الطرق.
وهذه فقط الحوادث التي تصل أخبارها، فالحملة نفسها تقول: هناك حوادث مميتة أخرى قد تقع ولا تصلنا أخبارها.
الفصل الثالث: لماذا تنهار الطرق؟ 7 أسباب عميقة
1. فساد الصيانة: الشركات الواجهة
هذا هو أصل الداء. موريتانيا لا تعاني من نقص ميزانية، بل من نهبها.
مجلس الوزراء صادق على 2.4 مليار أوقية لصيانة الطرق ومكافحة زحف الرمال، منها 1.8 مليار لبرنامج إزالة الرمال والصيانة الدورية. أين تذهب؟
التحقيقات تكشف: الشركة الوطنية لصيانة الطرق ENER التي كانت تملك الخبرة والمعدات دفنت بسبب الفساد، لأنها كانت تسير لخلق هامش ربح لشركات تصنف أنها للرئيس. وتم إنشاء الوكالة الفنية للأشغال والصيانة ATTM التي تشغل 40% من معداتها لهذه الشركات المحسوبة للرئيس رغم أنها ابتلعت ENER.
النتيجة: مشاريع للتربح وذر الرماد في العيون.
2. طريق واحد للموت والحياة
كل الطرق الموريتانية هي مسار واحد ذهاب وإياب بدون حاجز وسطي. أي تجاوز خاطئ يعني اصطدام وجه لوجه بسرعة 180 كلم. لا يوجد ازدواجية إلا في بضعة كيلومترات حول نواكشوط.
3. الطبيعة ضد الأسفلت
زحف الرمال في الشمال يغطي الطريق ويحوله إلى فخ غير مرئي، والسيول في الشرق تقطعه. السيول الأخيرة قطعت طريق الأمل عند الكلم 12 باتجاه تمبدغة وعند الكلم 5 جنوب النعمة.
4. رخصة سياقة تباع في السوق
الناشط أحمد ولد الراضي يلخصها: أغلب الموريتانيين يحصلون على رخصة السياقة دون إجراء أي اختبار. النسبة الساحقة من السائقين حصلوا عليها بطريقة غير قانونية عبر دفع ثمنها لسمسار بين برص السيارات ووكالات التأجير.
5. لا إسعاف.. لا مستشفى
عندما تقع الحادثة عند الكلم 300، لا يوجد إسعاف مجهز ولا مستشفى قريب. المصاب ينزف لساعات حتى يصل. هذا يفسر نسبة الوفاة العالية في مكان الحادث.
6. شاحنات مالي
موريتانيا هي ممر الشاحنات من المغرب والسنغال إلى مالي. شاحنات محملة فوق طاقتها، حاويات غير مثبتة، تسير ليل نهار على نفس الطريق الضيق مع سيارات الأجرة المتهالكة.
7. ثقافة السرعة والتجاوز
في غياب الرادارات والشرطة الفنية، السرعة هي القانون. وكما يقول أحد التقارير: كل الطرق تؤدي إلى الموت بسبب تهور السائقين الذين حصلوا على رخصهم بالدفع.
الفصل الرابع: من المستفيد؟
الحكومة ترد دائما بعد كل مجزرة بإرسال بعثة فنية لمعرفة الأسباب الحقيقية للحادثين اللذين وقعا عند الكيلومترين 120 و 122 من طريق نواذيبو، ثم ينتهي كل شيء حتى المجزرة القادمة.
المواطن بقي في دائرة الخطر الدائم على طرق وطنية تحولت إلى مصائد موت، رغم النداءات المتكررة والوعود الحكومية.
الخلاصة: طرق موريتانيا ليست هشة بسبب الفقر، بل بسبب منظومة تتعامل مع الطريق كصفقة ربح سريع، لا كشريان حياة. يتم بناء الطريق بمواصفات رديئة، ثم تسرق ميزانية صيانته، ثم يترك للرمال والسيول،




