
كتب الاعلامي المقيم بالمملكة المتحدة Sultan Elban
لم تمضِ سوى أيام قليلة على إعلان اكتمال أشغال جسر "تويجكجيت" على طريق الأمل، حتى جاءت أولى قطرات أمطار الخريف لتضع هذا “الإنجاز” أمام اختبار بسيط للطبيعة، لكنه اختبار كافٍ لكشف خلل بنيوي مقلق. تضرر إحدى حواف الجسر بعد أمطار وُصفت بالمتوسطة هذا مؤشر واضح على أزمة أعمق تضرب منظومة إنجاز المشاريع العمومية في البلاد.
الحادثة تأتي في سياق متكرر؛ فمن "امبعاج مجسمات تخزين المحروقات" في أول اختبار مناخي، إلى تصدعات منشآت حديثة قبل دخولها الفعلي في الخدمة، يتشكل نمط يصعب تجاهله: مشاريع تُعلن مكتملة وفق “المعايير الفنية المطلوبة”، لكنها تفشل عند أول احتكاك حقيقي بالواقع.
وزارة التجهيز والنقل أعلنت يوم الأربعاء الماضي اكتمال الأشغال، وقدمت المشروع بوصفه خطوة نوعية لتحسين انسيابية المرور على طريق الأمل، أحد أهم الشرايين الاقتصادية في موريتانيا. غير أن الضرر الذي أصاب الجسر بعد أقل من 72 ساعة فقط يطرح سؤالًا جوهريًا: أي معايير فنية هذه التي لا تصمد أمام أمطار موسمية معتادة؟
الأمر لا يتعلق فقط بخلل تقني، بل بمسار كامل من التعاقد والتنفيذ والرقابة. فمشاريع البنية التحتية، خاصة تلك المرتبطة بمحاور استراتيجية، تُرصد لها ميزانيات معتبرة من المال العام، غالبًا بعشرات المليارات من الأوقية القديمة، ضمن برامج سنوية أو متعددة السنوات. وفي المقابل، يفترض أن تخضع هذه المشاريع لرقابة صارمة، سواء أثناء التنفيذ أو عند الاستلام.
لكن الواقع يكشف عن ثغرات متعددة:
#أولها ضعف الرقابة الفنية المستقلة، حيث غالبًا ما تكون جهة الإشراف هي نفسها أو مرتبطة بالجهة المنفذة بشكل مباشر أو غير مباشر.
#ثانيها استعجال الإعلان السياسي عن “الإنجاز”، وهو ما يدفع أحيانًا إلى تسليم مشاريع غير مكتملة أو غير مختبرة بشكل كافٍ.
#ثالثها غياب المساءلة الفعلية بعد ظهور العيوب، حيث تتحول الأعطال إلى مجرد “ملاحظات” يتم تداركها بدل أن تكون مدخلًا لتحقيقات جدية.
تصريح عمدة بلدية صنكرافة، الذي طالب بإصلاح عاجل ومعالجة شاملة لحواف الجسر الأربعة، يعكس وعيًا محليًا بخطورة الوضع، لكنه في الوقت نفسه يكشف هشاشة الثقة بين المواطن والمشاريع العمومية. فحين يطالب مسؤول محلي بإعادة معالجة منشأة لم يمضِ على تدشينها سوى أيام، فإن ذلك يعني أن الخلل لم يعد خفيًا أو قابلًا للتبرير.
#سياسيًا، تضع هذه الحادثة الحكومة أمام اختبار حقيقي. فبعد أكثر من عامين على استمرارها، لم يعد الرأي العام يقيس الأداء بعدد التدشينات، بل بمدى صمود هذه المشاريع واستدامتها. تكرار مشهد “التدشين ثم الانهيار” يهدد بتحويل الإنجاز إلى عبء سياسي، ويقوض الخطاب الرسمي حول تحسين البنية التحتية.
#اقتصاديًا، فإن إعادة إصلاح مشاريع حديثة تعني كلفة إضافية غير مبرمجة، أي استنزافًا جديدًا للموارد في بلد يعاني أصلًا من محدودية الإمكانات. كما أن تدهور الثقة في جودة المشاريع قد يؤثر على جاذبية الاستثمار، خصوصًا في قطاعات تعتمد على البنية التحتية كالنقل والطاقة.
إن ما حدث في جسر "تويجكجيت" لا يجب أن يُختزل في عملية صيانة عاجلة، بل ينبغي أن يكون نقطة انطلاق لتحقيق شفاف يشمل:
مسار إسناد الصفقة،
دفتر الالتزامات الفنية،
مراحل التنفيذ والرقابة،
وآلية الاستلام النهائي.
فالدولة التي لا تحاسب على فشل مشاريعها، تدفع ثمن ذلك مرتين: مرة من المال العام، ومرة من رصيد الثقة لدى المواطنين.
Sultan Elban سلطان البان
09-08-2026
LONDON




