
التأصيل الخلدوني: يوضح ابن خلدون في مقدمته أن الدول في بداياتها تعتمد على القلة في الجبايات والرفق بالرعايا، فتنشط الأسواق ويعمر العمران. أما في أواخرها وأطوار هرمها، فتتزايد نفقات الحاشية والترف وتكبر الاحتياجات، فتُفرض المكوس والرسوم الباهظة والضرائب المتلاحقة، مما يقتل دافعية الإنتاج ويؤدي إلى خراب العمران.
التطابق مع الواقع الموريتاني: تعكس السياسات المالية الحالية في موريتانيا هذا الوصف بدقة؛ حيث تثقل الضرائب المباشرة وغير المباشرة، ورسوم الجمارك والمحروقات، كاهل المواطنين والمنتجين الصغار. وقد أدى هذا الضغط الجبائي إلى ركود حركة الأسواق، وارتفاع جنوني في أسعار المواد الغذائية والأساسية، وانقباض أيدي الكثيرين عن الاستثمار والعمل التجاري نتيجة غياب جدوى العائد مقابل حجم المغارم والضرائب.
ثانياً: مشهد الانهيار وتكاثر الأطياف والشرائح الطفيلية
"وعندما تنهار الدول يكثر المنجمون والشحاذون والمنافقون والمدعون والكتبة والقوالون والمغنون النشاز..."
التأصيل الخلدوني: يصف ابن خلدون حالة التفسخ الاجتماعي والسياسي التي تصيب المجتمعات عند تفكك عراها، فيسقط الوزن الحقيقي للأشياء ويغيب التدبير العقلاني.
التطابق مع الواقع الموريتاني:
كثرة المنجمين والوسطاء: يبرز في المجالس والفضائيات ومنصات التواصل الاجتماعي "صنّاع الوهم" والمنجمون والباحثون عن الحلول الغيبية والسطحية لمشكلات هيكلية واقتصادية تعاني منها البلاد.
المنافقون والمدعون والمتسيسون: ظهور طبقة من المنتفعين والانتهازيين الذين يتسابقون لتسويق الخطابات الخشبية والمديح الزائف لمراكز النفوذ، بغية الحصول على المكاسب الشخصية على حساب هموم المواطنين.
المغنون النشاز وقارعو الطبول: رواج التفاهة والاحتفاء بالخطاب السطحي والثقافة الاستهلاكية الهابطة التي تطمس أصوات العقل والوعي الجاد.
ثالثاً: ضياع المعايير وسيادة الرعب والإشاعة
"...وتتكشف الأقنعة ويختلط ما لا يختلط.. يضيع التقدير ويسوء التدبير.. وتختلط المعاني والكلام.. وتختلط الصدق بالكذب والجهاد بالقتل.. وتتفتق الفرائض ويسود الرعب ويدلهم الأفق وتطول المناظرات ويلوذ الناس بالطوائف وتظهر العجائب وتعم الإشاعة"
التطابق مع الواقع الموريتاني:
اختلاط المفاهيم وسوء التدبير: تراجع كفاءة التسيير الإداري والمؤسسي لصالح المحسوبية، وباتت المعايير المعيارية (الكفاءة والاستحقاق) تُستبدل بالولاءات الضيقة، مما أحدث إرباكاً في إدارة المرافق العامة.
سيادة الإشاعة والهلع: تعمّ شبكات التواصل الاجتماعي في موريتانيا موجات عارمة من الشاعات والأخبار الزائفة التي تبث الرعب واليأس في نفوس الشباب وتغذي الشعور بعدم الأمان المستقبلي.
اللوذ بالطوائف والقبيلة: عندما تضعف هيبة الدولة المدنية ومؤسسات المواطنة الحديثة، يرتد الأفراد إلى العصبيات الضيقة والاحتماء بالقبيلة أو الجهة باعتبارها الملاذ الآمن والدرع الواقي للفرد، تماماً كما وصف ابن خلدون بأن "الانتماء إلى القبيلة يصبح أشد إلتصاقاً، وإلى الأوطان ضرباً من ضروب الهذيان".
رابعاً: أزمة النخبة وضياع الحكماء
"ويضيع صوت الحكماء في ضجيج الخطباء.. والمزايدات على الانتماء.. ومفهوم القومية والوطنية والعقيدة وأصول الدين.. ويتقاذف أهل البيت الواحد التهم بالعمالة والخيانة.. وتسري الشائعات عن هروب كبير وتحاك الدسائس والمؤامرات"
تهميش أهل الحكمة والعلم: يعاني الأكاديميون والمفكرون وأصحاب الرؤى الإصلاحية الحقيقية من تهميش أصواتهم وسط صخب المزايدين والشعارات السياسية الجوفاء.
التخوين المتبادل: يشهد الفضاء العام حالة من الاحتقان وتوزيع صكوك الوطنية والاتهام بالعمالة والخيانة بين مختلف الفرقاء وحتى داخل النخب الفكرية والسياسية الواحدة.
خامساً: تحول الوطن إلى محطة هجرة
"...ويتَدبّر المقتدر أمر رحيله والغني أمر ثروته ويصبح الكل في حالة تأهب وانتظار.. ويتحول الوضع إلى مشروعات مهاجرين.. ويتحول الوطن إلى محطة سفر.."
نزيف الشباب (الهجرة غير النظامية): يُعد هذا البند أصدق وصف للواقع الموريتاني الراهن؛ حيث تحولت طاقات الشباب وعصب الدولة الحية إلى طوابير من المهاجرين عبر قوارب البحر أو الطرق البرية نحو المجهول (أمريكا، أوروبا)، بحثاً عن كرامة العيش التي غابت في الوطن.
تصدير الثروات والهروب: تطلع رجال الأعمال وأصحاب الأموال إلى تحويل استثماراتهم ورؤوس أموالهم نحو الخارج تحسباً للأسوأ، بينما يتحول الوطن في وجدان أبنائه العاطلين إلى مجرد محطة عبور..
الياس محمد




