تحقيق استقصائي: لغز التوقيفات والاختطافات المتبادلة.. هل تحولت الحدود الموريتانية-المالية إلى منطقة رمادية تهدد أمن الرعايا؟  إعداد: قسم التحقيقات – "موقع الإعلامي" 

أربعاء, 12/08/2026 - 10:46

على امتداد شريط صحراوي وعر يتجاوز ألفي كيلومتر، تقف الحدود بين موريتانيا ومالي مسرحاً لتحولات جيوسياسية وأمنية متسارعة. وفي قلب هذه المعادلة المعقدة، يبرز ملف "تكرار توقيف واختطاف المواطنين الموريتانيين" من طرف الجيش المالي أو القوات الحليفة له (كقوات فاغنر الروسية سابقاً)، كواحد من أكثر الملفات حساسية وتوتراً في العلاقات الثنائية بين الجارين.  هذا التحقيق يغوص في أبعاد الظاهرة، يتتبع خيوطها الميدانية، ويقاطع الروايات الرسمية مع شهادات شهود العيان والمصادر الحقوقية، لفك طلاسم ما يجري في العمق المالي والمناطق الحدودية الملتهبة.  1. شريط الأحداث: أنماط متكررة وسيناريوهات متطابقة  لا يمكن قراءة حوادث توقيف الموريتانيين بمعزل عن السياق الميداني العام في مالي؛ فهي تتوزع جغرافياً على مستويين رئيسيين:  العمق المالي وأسواق المقاطعات الداخلية: حيث تستهدف دوريات الجيش المالي مواطنين موريتانيين (تجاراً، عمالاً، أو أصحاب ورش) داخل قرى وأسواق نائية (مثل محيط العاصمة باماكو أو مناطق الجنوب والوسط) بحجة الاشتباك أو الاشتباه في صلات محتملة مع الجماعات المسلحة النشطة في المنطقة.  المناطق الحدودية الملتهبة (أزمة قرية "لغظف" ومحيطها): شهدت محطات سابقة توترات واسعة إثر توغل وحدات عسكرية أو قوات حليفة لمالي، وتوثيق حالات احتجاز سيارات رباعية الدفع واقتياد العشرات من الرعاة والسكان المحليين، قبل أن تتدخل القنوات الدبلوماسية والأمنية لاحتواء الموقف.  2. تقاطع الروايات: بين بيانات الجيش المالي وصرامة المؤسسة العسكرية الموريتانية  تتضارب الروايات عادة في كل حادثة تسجل، مما يضع الرأي العام أمام ضبابية معلوماتية:رواية الأهالي والشهود: دأبت عائلات المحيطين ومصادر محلية على التأكيد بأن العديد من التوقيفات تتم بتعسف، وتطال أحياناً مواطنين أبرياء ينحدرون من مكونات عرقية معينة (كالفلان) يتم استهدافهم بالتبعية في سياق "حرب الهويات" التي تشنها أطراف الصراع في مالي. كما تتحدث الشهادات عن تجاوزات ومصادرة لممتلكات شخصية وسيارات رباعية الدفع.  الرواية الرسمية الموريتانية: في المقابل، تحرص القيادة العسكرية ووزارة الخارجية في نواكشوط على اعتماد مقاربة "ضبط النفس" الممزوجة بالصرامة الميدانية. وفي مناسبات عدة، أصدر الجيش الموريتاني بيانات توضيحية حاسمة تنفي فيها وقوع اختطافات داخل الأراضي الموريتانية، مؤكدة أن العمليات تجري في العمق المالي، وأن الوحدات الموريتانية المرابطة على الحدود تقف بالمرصاد لأي مساس بالحوزة الترابية. وقد أثمرت هذه الدبلوماسية الهادئة في الإفراج عن جل الموقوفين بعد إثبات براءتهم عبر تحقيقات مشتركة وتدقيق صارم في الهويات.  3. الدوافع الكامنة: لماذا يُستهدف الموريتانيون؟  من خلال تحليل الخريطة الأمنية لمالي، يمكن إرجاع تكرار هذه الحوادث إلى جملة أسباب جوهرية:  ارتباك المؤسسة العسكرية المالية: يعاني الجيش المالي من ضغوط ميدانية هائلة وخسائر متتالية أمام الجماعات المسلحة (مثل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين)، مما أدى إلى سيطرة "هاجس المؤامرة" والارتياب المطلق في أي تحركات بشرية أو تجارية بالمناطق التي تعتبرها بؤراً للعمليات.  غياب العلامات والترسيم الدقيق: رغم امتداد الحدود لمسافات شاسعة، فإن الطبيعة الرعوية والتداخل القبلي يجعل من الصعب أحياناً على الدوريات العسكرية المالية تحديد الخطوط الفاصلة بدقة، مما يوقع الأبرياء في فخ الاشتباه.  الاستهداف العرقي المبطن: تشير تقارير حقوقية إلى أن بعض الاعتقالات تأتي على خلفية صور نمطية واستهداف عرقي لعناصر من قبائل معينة تشترك فيها مجتمعات ضفة النهر والساحل، حيث يُنظر للبعض بريبة وكأنهم حظوة للامتداد الديموغرافي للجماعات المقاتلة.  4. الدبلوماسية الهادئة في اختبار النار  على الرغم من الغضب الشعبي والمطالب الملحة بتوفير حماية أشد صرامة للرالعيان، تنتهج الرئاسة والخارجية الموريتانية استراتيجية "برودة الأعصاب" وإدارة الأزمات بالحوار المباشر والقنوات الدبلوماسية والأمنية الخفية. وغالباً ما تُكلل هذه الاتصالات بالإفراج عن المعتقلين بعد "غربلة" أسمائهم والتأكد من خلو سجلاتهم من أي ارتباطات مشبوهة، مع الإقرار بأن مالي تعيش "حالة حرب حقيقية" تستوجب وعياً واحتياطاً مضاعفاً من الجالية والمغتربين.  5. خلاصات وتوصياتيبقى شبح التوقيفات والاحتجازات المؤقتة يلقي بظلاله الثقيلة على حركة التبادل التجاري والتنقل البشري بين البلدين. وأمام هذا الواقع، يتفق المراقبون على ضرورة:  تفعيل آليات التنسيق المشترك: للإسراع في ترسيم الحدود وتأمين ممرات آمنة للتجار والرعاة الموريتانيين.  إطلاق حملات تحسيسية واسعة: توجهها الجهات الرسمية للجالية الموريتانية في مالي لتفادي مناطق التوتر والعمليات العسكرية الساخنة.