حَدَّثَ يَحْيَاوِي مُحَمَّدُ الأَمِينِ قَالَ: لَمَّا اضْطَرَبَتْ بِيَ سُبُلُ الأَيَّام، وَتَكَشَّفَتْ لِيَ حَقَائِقُ السِّيَاسَةِ وَالإِمَارَة، رَأَيْتُ النَّاسَ يَتَطَلَّعُونَ إِلَى حُكْمٍ رَشِيد، يَقُومُ عَلَى مَبَادِئِ العَدْلِ المَجِيد. فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: وَيْحَ النَّفْسِ أَمَا عَلِمَتْ أَنَّ الأَمَانِيَّ رُبَّمَا كَانَتْ سَرَاباً، وَأَنَّ الشِّعَارَاتِ البَرَّاقَةَ قَدْ لَا تَزِيدُ الحَقَّ إِلَّا حِجَاباً؟ فَهَا هِيَ العَدَالَةُ اليَوْمَ تَقِفُ فِي مِيزَانِ الأَوْهَام، لِيَتَبَيَّنَ الحَصَادُ مِنَ المَلَام، وَتَظْهَرَ الحَقِيقَةُ خَلْفَ سُتُورِ الكَلَام، وَبَيْنَ مَتَارِيسِ سُطُورِ الأَقْلَام...
بَيْنَا أَنَا أَرُوحُ فِي سُوقِ "الغَزْوَانِيَّاتِ" وَأَغْدُو، وَإِذَا بِـ "دِيلُولَ الحَكِيمِ" قَدِ انْتَصَبَ فِي وَسَطِ المَيْدَانِ، وَقَدْ نَصَبَ مِيزَاناً كَبِيراً مِنْ نُحَاسٍ، مَقْدُوداً بِجِلْدِ نَخَّاسٍ، وَرَاحَ يَقْبِضُ بِكَفِّهِ عَلَى الهَوَاءِ، وَيَزِنُ فِيهِ مَا لَيْسَ بِهَرَاءِ، ثُمَّ يَضَعُهُ فِي كَفَّةِ المِيزَانِ, فَيَمِيلُ المِيزَانُ تَارَةً وَيَعْتَدِلُ أُخْرَى.
فَقُلْتُ لَهُ: "يَا دِيلُولُ، مَا هَذَا الَّذِي تَزِنُهُ وَقَدْ خَلَتْ كَفُّكَ مِنَ المَتَاعِ، وَكُلُّ مَا حَوْلَكَ لَا يُبَاع؟" فَالْتَفَتَ إِلَيَّ بِعَيْنٍ تَرَى مَا لَا نَرَى، وَقَالَ: "يَا يَحْيَاوِي الرَّاوِي، أَمَا رَأَيْتَ مَكْرَ الدَّعَاوِي؟ أَنَا أَزِنُ وُعُودَ الكَرَاسِي؛ فَكُلَّمَا زَادَ الوَعْدُ عُذُوبَةً، خَفَّ فِي مِيزَانِ الحَقِيقَةِ".
ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ بَائِعُ "الخِيَالِ"، يَرْتَدِي ثَوْباً مُرَقَّعاً بِلَا بَهَاءٍ، وَعَلَى صَدْرِهِ نِيشَانٌ، وَيَدَّعِي أَنَّهُ يَبِيعُ مَا يَتَمَنَّى النَّاسُ لَا مَا يَأْكُلُونَ. فَنَظَرَ إِلَيْهِ دِيلُولُ نَظْرَةَ مَنْ يَرَى جَوْفَ الحَقِيقَةِ، ثُمَّ قَهْقَهَ ضَحْكَةً تَهْتَزُّ لَهَا الأَرْكَانُ، وَسَقَطَ مِنْهَا النِّيشَانُ، وَقَالَ: "يَا هَذَا، أَتَبِيعُ لَهُمْ جُوعَهُمْ فِي قَالَبِ حُلْمٍ؟ أَمْ تَبِيعُ لَهُمْ سَرَابَكَ لِيُغَطُّوا بِهِ عَارَ فَقْرِهِمْ؟ فَالخَيَالُ لَا يَسُدُّ جُوعاً، وَسِلْعَتُكَ هَذِهِ لَيْسَتْ إِلَّا هَوَاءً مُعَلَّباً لِعُقُولٍ غَائِبَةٍ!"
ثُمَّ أَقْبَلَ بَعْدَهُمْ بَائِعُ "ضَبَابِ رَائِحَةِ المَشْوِيِّ" بِمِجْمَرِهِ العَجِيبِ، يَقِيسُ دَسَمَ الوَهْمِ لِلنَّاسِ، وَدِيلُولُ يُرَاقِبُ بِانْكِسَارٍ تَحَوُّلَ الجُوعِ إِلَى تِجَارَةٍ. وَمَا كَادَ دِيلُولُ يَفْرَغُ مِنْ سَخَطِهِ، حَتَّى تَزَاحَمَ فِي المَيْدَانِ صُنَّاعُ أَوْهَامٍ آخَرُونَ؛ فَجَاءَ بَائِعُ "الزَّمَنِ المَفْقُودِ" يَعْرِضُ دَقَائِقَ العُمْرِ فِي زُجَاجَاتٍ فَارِغَةٍ، وَآخَرُ يَبِيعُ "أَجْنِحَةً مِنْ وَرَقٍ" لِمَنْ أَرَادَ التَّحْلِيقَ فَوْقَ سُوقِ السُّوقِيَّةِ، وَمَعَهُ بَائِعُ "الأَصْوَاتِ" يَعْرِضُ ضَمَائِرَ مَحْشُوَّةً بِالوُعُودِ فِي خُرُوجِ "الانْتِخَابَاتِ"، لِيَشْتَرِيَ بِهَا صَمْتَ الهَالِكَاتِ!
هُنَا انْتَفَضَ دِيلُولُ، وَنَفَضَ ضَرَّاعَتَهُ نَفْضَةَ المُتَبَرِّئِ مِنَ الوَبَاءِ، وَصَاحَ فِي المَلَأِ: "مَا هَذَا بِسُوقٍ، بَلْ هُوَ مَكَانُ المَلَاوِي! لَا أَبِيعُكُمْ وَهْماً، وَلَا أَشْتَرِي مِنْكُمُ الذِّمَمَ، فَقَدْ طَابَ لِيَ الفِرَارُ مِنْ هَذَا الغُبَارِ!"
فَصَارَ السُّوقُ مَحْفِلاً لِكُلِّ مَنْ بَاعَ مَا لَا يُعَايَنُ، وَاشْتَرَى مَا لَا يُضْمَنُ. وَبَيْنَمَا نَحْنُ كَذَلِكَ، تَبَدَّدَ ذَلِكَ الضَّبَابُ الكَثِيفُ عَنِ السُّوقِ، فَإِذَا بِالمَيْدَانِ خَاوٍ عَلَى عُرُوشِهِ، وَإِذَا بِالسَّرَابِ قَدْ جَلَّى عَنِ المَكَانِ، فَلَمْ نَجِدْ لَا مَشْوِيّاً يُؤْكَلُ، وَلَا حَاكِماً يُسْأَلُ! فَتَوَارَى عَنِّي دِيلُولُ وَهُوَ يُنْشِدُ فِي خِتَامِ مَجْلِسِهِ وَيَقُولُ:
يَا بَائِعَ الوَهْمِ فِي سُوقٍ بَلَا سَنَدِ ... مِيزَانُ دِيلُولَ لَا يَخْدَعُ بِالأَمَدِ
تَبِيعُ أَصْوَاتَهُمْ خُبْزاً لِأَنْفُسِهِمْ ... وَالزُّورُ يُبْنَى عَلَى أَصْوَاتِهِ بِدَدِ
فَلَا تُرَجِّ مَطَراً مِنْ سَحَابِ خَدِيعَةٍ ... فَالسُّوقُ يَفْنَى، وَعَهْدُ الزَّيْفِ لَمْ يَعُدِ




