الشيخ عبد الله بن بيّه  إبن رشد الجديد وجسر لتجديد المقاصدي

أحد, 28/06/2026 - 11:43

في تاريخ الفكر الإسلامي أزمنة استثنائية تتشابه فيها التحديات، فتنبت الأرض رجالا يحملون مصابيح التجديد ليتجاوزوا بالأمة مضايق الأزمات. وإذا كان القرن السادس الهجري قد جاد بالعلامة الفيلسوف وقاضي القضاة ابن رشد الحفيد ليكون جسرا بين العقل والنقل، وبين الشرق والغرب، فإن العصر الحديث يرى في سليل المحظرة الشنقيطية، العلامة الشيخ عبد الله بن بيّه، أمتداد حيا لتلك الروح الرشدية،حتى غدا بحق "ابن رشد الجديد" في معركتنا المعاصرة ضد الجمود والتطرف.

أولا: من مشكاة المالكية.. عبقرية المنهج والأداة

لم يكن ابن رشد فكرا معلقا في الفضاء، بل نبتت جذوره في تربة الفقه المالكي الراسخ، وكتابه بداية المجتهد ونهاية المقتصد شاهد على عقل أصولي يفكك أسباب الاختلاف بوعي برهاني. وعلى ذات الدرب، ينطلق الشيخ عبد الله بن بيّه من عمق المدرسة المالكية المغربية العريقة، لكنه لا يقف عند حدود النقل، بل يعيد الروح لأدواته السيّالة مثل: "المصالح المرسلة"، "سد الذرائع وفتحها"، و"مراعاة العوائد وتغير الزمان".

إن تجديد الشيخ بن بيّه ينطلق من ميزة مالكية أصيلة وهي الانفتاح على الواقع، وتحويل الفقه من نصوص معزولة إلى "منهجية تفكير" قادرة على استيعاب النوازل وتفكيك التعقيد المعاصر واستيعاب مفاهيم الدولة الحديثة والمواطنة.

ثانيا: التوفيق بين الحكمة والشريعة في عصر الحداثة

كتب ابن رشد سفره الخالد فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال ليؤكد أن "الحق لا يضاد الحق بل يشهد له ويعززه"، ممهدا الطريق لتصالح الدين مع العقل البرهاني. وفي زماننا هذا، يقود الشيخ بن بيّه ذات المعركة التوفيقية، ولكن هذه المرة بين "الشريعة والحداثة".

يرى الشيخ بن بيّه أن الشريعة بمقاصدها الكلية وقواعدها الكبرى تملك من المرونة ما يجعلها تستوعب مستجدات العصر كحقوق الإنسان، والديمقراطية، وتعقيد الدول الحديثة ، دون تصادم مع أصول الوحي. إنه يقدم للعالم إسلاما يتسع للحياة، ويؤكد أن العقل الفقهي يملك القدرة على صياغة حلول إنسانية تلتقي مع نتاج الحضارة الحديثة في مشتركاتها النبيلة.

ثالثا: فقه السلم.. من المحلية إلى الكونية

من قرطبة الأندلس، كان ابن رشد جسرا ثقافيا عبرت فوقه أوروبا نحو عصر نهضتها من خلال "الرشدية اللاتينية". واليوم، يعيد الشيخ عبد الله بن بيّه إنتاج هذا الدور الكوني عبر مؤسساته ومبادراته العالمية مثل "منتدى تعزيز السلم" و"حلف الفضول الجديد".

لقد نقل الشيخ بن بيّه الفقه من دائرة "الردود المحلية" إلى فضاء "المبادرات العالمية". وحين أطلق "إعلان مراكش لحقوق الأقليات الدينية" عام 2016، لم يكن ينطلق من شعارات سياسية، بل عاد إلى "صحيفة المدينة المنورة" بأدوات أصولية متينة ليؤسس لمفهوم "المواطنة التعاقدية". إنها الرؤية الرشدية ذاتها التي تبحث عن الجوهر الإنساني المشترك، وتخاطب الغرب والمنظمات الدولية بلغة يفهمونها، دون أن تفقد أصالتها الإسلامية.

رابعا: نقد التشدد ونزع شرعية العنف

عانى ابن رشد في أواخر حياته من غوائل الجمود الفكري وتكفير العقول الذي قادته تيارات ضيقت واسعا وحجرت متسعا. واليوم، يقف الشيخ بن بيّه مستخدما مشرط الأصولي البارع ليفكك خطابات العنف والتشدد وتيارات الإسلام السياسي.

ينتقد الشيخ بقوة ما يسميه "الفتوى المعزولة عن سياقها"، ويعتبر أن إطلاق الأحكام الفقهية دون وعي بـ "فقه المآلات" (أي ما تؤول إليه الأفعال في الواقع) هو تدمير لمقاصد الشريعة نفسها. لقد نجح الشيخ في نزع الشرعية الفقهية عن أطروحات العنف، مستبدلا إياها بـ "فقه السلم" كأولوية تسبق كل فضيلة. لأن حفظ النفوس والعقول والاستقرار هو أساس قيام الدين والدنيا معا.

إن وصف العلامة الشيخ عبد الله بن بيّه بـ "ابن رشد الجديد" لا أعده إطراء بلاغيا، بل هو توصيف دقيق لظاهرة فكرية استثنائية. وهو اعتراف بقدرة العقل الشنقيطي المجدد على إعادة الروح المقاصدية والبرهانية للفكر الإسلامي. رحل ابن رشد الأندلسي وبقيت أفكاره حية، واليوم يواصل الشيخ بن بيّه حمل المشعل، ليرسم للعالم صورة الإسلام كما يجب أن تكون، دينا قيما يحمي الإنسان، يعمر الأرض، ويفشي السلم والمحبة لكل الناس ولكل الكائنات..

 بقلم الدكتور : أحمد محمود الطيب المختار

 

..