
يتصاعد الجدل فى موريتانيا هذه الأيام ، حول احتمال تعديل المواد الدستورية المحددة لسقف المأموريات الرئاسية.
يحدث غالبا في أنظمة سياسية تمر بمنتصف الدورة الثانية لرئيس منتخب، تحول للفرضيات نحو قناعات شبه راسخة، ويصبح الصمت الرسمي مادة خصبة للتأويل.
لكن القراءة الأكثر تداولا فى موريتانيا - التي تفترض وجود نية رئاسية لفتح الباب أمام ولاية ثالثة - ليست بالضرورة الأكثر دقة.
ثمة مقاربة مختلفة تستحق التوقف عندها:
أن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، قد لا يكون معنيا أصلا بخوض مأمورية ثالثة، وأن النقاش الدائر يعكس صراع تموضع مبكر داخل النخبة السياسية أكثر مما يعكس قرارا سياديا قيد الإعداد.
دستوريا، النص الموريتاني واضح في تحديد عدد الولايات، وقد جاء تحصين المادة المعنية في سياق إصلاحي هدف إلى تثبيت مبدأ التناوب ومنع عودة دوامة التمديد المفتوح.
أي تعديل في هذا الاتجاه لن يكون إجراء تقنيا عابرا، بل خطوة ذات كلفة سياسية معتبرة داخليا وخارجيا، في بيئة إقليمية ودولية باتت أكثر حساسية تجاه مسألة تداول السلطة.
حتى الآن، لا توجد إشارات صادرة عن مركز القرار توحي بإرادة سياسية عليا لإعادة هندسة السقف الدستوري.
بل إن الدعوات إلى مناقشة “المأمورية الثالثة” تصدر أساسا عن شخصيات توصف بالمستقلة سياسيا، وإن شغلت مواقع رسمية أو بدت قريبة من دوائر الحكم.
غير أن القرب من السلطة لا يعني الانخراط في الدائرة الصلبة لصناعة القرار الاستراتيجي.
لذلك، يمكن قراءة هذه التصريحات باعتبارها اجتهادات فردية أو محاولات لجس النبض، لا انعكاسا لخيار رئاسي محسوم.
الأكثر دلالة هو سلوك الرئاسة نفسها: صمت مدروس، لا نفي قاطع ولا تبن صريح.
في السياق السياسي الموريتاني، لا يعد الصمت فراغا بل أداة إدارة.
فالغموض المنضبط يسمح بالحفاظ على تماسك الأغلبية، ويؤجل صراعات الخلافة داخلها، ويمنع انطلاق سباق مبكر لإعادة التموضع.
في الوقت ذاته، يُبقي المعارضة في حالة تعبئة دائمة دون أن يمنحها معركة واضحة المعالم.
التجربة القريبة تعزز هذا التحليل.
فحين راجت قبل أشهر قليلة من الآن، تسريبات عن احتمال بروز شخصيات من داخل النظام مثل وزير الداخلية ووزير الخاريجة وغيرهما من أعضاء الحكومة الحالية، كخلفاء محتملين للرئيس ولد الشيخ الغزواني ، سارع المعنيون إلى نفي أي طموح شخصي و غردوا على مواقع التواصل أنهم ملتفون حول الرئيس ولد الغزواني.
سلوك عكس إدراكا عميقا لحساسية فتح ملف “ما بعد الرئيس” قبل أوانه، لما قد يستتبعه من إعادة ترتيب داخل مراكز النفوذ يصعب ضبطها.
من منظور براغماتي، قد يكون الخيار الأكثر عقلانية هو استكمال الولاية الحالية ضمن الصلاحيات الدستورية الكاملة، مع إدارة توازن دقيق بين مكونات المشهد، بدل الدخول في مغامرة تعديل دستوري قد تفتح جبهات داخلية وتستجلب ضغوطا خارجية غير ضرورية.
ذلك أن التجارب في المنطقة تُظهر أن كلفة تغيير قواعد التداول غالبا تفوق مكاسبها الظرفية.
ثمة عامل آخر لا يقل أهمية: في النظم السياسية التي لم تحسم بعد تقاليد انتقال السلطة بشكل مؤسسي راسخ، يؤدي الإعلان المبكر عن نية المغادرة - حتى لو كانت نهائية -إلى تسريع تفكك الحزام السياسي المحيط بالرئيس.
تميل النخب الموريتانية إلى إعادة التموضع سريعا حول “الرئيس القادم”، ما يضعف مركز الثقل القائم قبل نهاية ولايته.
في هذا السياق، يصبح الغموض أداة استقرار لا إشارة تمديد.
بناء على ذلك، قد يكون الجدل الدائر اليوم أكبر من النية الفعلية للرئيس، وأقرب إلى صراع تموضع مبكر بين فاعلين يستشعرون أفق 2029، أكثر منه تعبيرا عن قرار رئاسي بتعديل الدستور.
* الكاتب: الشيخ أحمد أمين



