هكذا بدأت حكايتي ...مع رمل البيكت لحواش الذي لا يسألني من أكون

أربعاء, 11/02/2026 - 10:59

.قدمت إلى انبيكة لحواش وأنا ابنُ نواذيبو، المدينة التي لا تخطئها الأمواج حيث يلتهم المحيط الأطلسي الأفق من ثلاث جهات وحيث يفرض البحر مزاجه على كل شيء: على الجوعلى الوجوه، وعلى إيقاع الحياة نفسها في نواذيبو البرد ليس فصلا بل رفيق وتيارات جزر الكناري البعيدة القريبة تجعل الهواء مشبعا بملوحةٍ توقظ الحواس وتبقي الإنسان في حالة انتباه دائم كأن البحر لا يسمح لك أن تنسى أنك حي.

ومن هذا العالم المائي المفتوح، وجدت نفسي فجأة في أقصى الشرق في مقاطعة لا تشبه إلا نفسها

انبيكة لحواش… اسمها وحده كاف ليهيئك للانقطاع للبعد للهدوء الذي يكاد يكون صمتا.

رمال ممتدة بلا نهاية مبان متناثرة كأنها وضعت على عجل ثم تركت لتتدبر أمرها، وناس طيبون ما زالوا يعيشون على الفطرة الأولى بداوة تحاول أن تتصالح مع التحضر دون أن تفقد نفسها لا صخب ولا استعجال ولا قلق من الزمن؛ الزمن نفسه يبدو أقل قسوة كأنه يبطئ احتراما للمكان.

تسعون يوما أمضيتها هناك تسعون يوما بدت طويلة… لا لأن العمل كان شاقا فقط، بل لأن الوقت في مدن الداخل له وزن مختلف هنالك اليوم لا يقاس بالساعات بل بما رأيت وفكرت فيه، وبما سمعته من الناس، وبما دار بينك وبين نفسك حين يخلو المكان إلا من الريح ، كانت كافية لتأمل مفارقات الحياة.

أنا القادم من العاصمة نواكشوط — أو من ظلها على الأقل — حيث المدينة بلا قلب، غابة من الإسمنت محمومة بالحركة، مثقلة بالضجيج مسكونة بالركض خلف المجهول.

حيث المقارنات لا تنتهي والناس شهود على انتقالات مفاجئة:

من الفقر إلى الغنى،

ومن الغنى إلى الفقر،

ومن النفوذ إلى الظل…

كأن المدينة لا تمنح أحدا عهدا دائماوالإنسان في عاصمتنا — في ما يبدو — ضحية عَقد غامض، عقد قديم بين سكانها الأوائل من الإنس… ومن كان فيها من الجن كل شيء فيها قابل للانقلاب، وكل شيء فيها مؤقت، حتى الطمأنينة .

انبيكة لحواش على النقيض تتشابه أحوال الناس — على الأقل في ظاهرها_لا سباق محموم ولا أحلام متضخمةولا قلق من فوات شيء لم يأت بعد ؛السؤال اليومي لا يدور حول المناصب ولا الأسعار ولا العلاقات، بل عن أبسط وأعمق ما عرفه الإنسان منذ القدم:

أين مناطق الرعي؟

ومتى الانتجاع؟

أسئلة تبدو بسيطة لكنها تحمل في داخلها فلسفة كاملة عن الحياة عن الاكتفاء عن علاقة الإنسان بالأرض، وعن معنى أن تعيش دون أن تستهلكك المدن.

وهكذا بدأت حكايتي ...مع رمل لا يسألني من أكون.

_يوميات_انبيكة .

.اسلم خمود اعلي