
شهدت موريتانيا خلال حقبة "ولد الطايع" وما تلاها من فترات الأحكام الشاغرة والفترات الانتقالية تحولات ديموغرافية مريبة، حيث استغل وافدون جدد هذا الفراغ للتسلل إلى مفاصل الدولة من جيش وصحافة، مدعومين بوثائق هوية وأوراق انتماء وطني حصلوا عليها في غفلة من الرقابة. لقد عمد هؤلاء إلى تمويه أصولهم عبر انتقاء أسماء عائلية منتحلة، والتخفي وراء ألقاب تشبه ألقاب الكتاب المعروفين لتمكين سرقة الهوية وإرباك الذاكرة الجمعية.
وعند عودتي من الكف بعد سبع سنوات إلى ميدان الصحافة، تفاجأتُ بهذا المسخ الذي طرأ على المشهد؛ فهؤلاء الذين تركتهم وهم يمارسون التدوين من خلف مقاهي الإنترنت وأنا أعرف أصولهم ومنابتهم جيداً، صاروا اليوم يتصدرون الواجهة بوقاحة. أتذكرهم تماماً حين كانت ألسنتهم تتعثر بلكنة أعجمية وافدة تفضح غربتهم عن الدار، لكنهم بمرور السنين صقلوا تلك اللكنة حتى استقام لهم اللسان الحساني، ليتخفوا وراء فصاحة مصطنعة في "البودكاستات"، بل وأصبحوا يكتبون الأعمدة الصحفية ويؤلفون الكتب لترسيخ وجودهم الزائف. والأدهى أن خلف هذا الصعود المنظم تقف منظمات خارجية ينتمون إليها سراً، حيث يعملون كأدوات لتأليب المجتمع وطحن تماسك النسيج الوطني، متحولين من ضيوف عابرين إلى أوصياء على سيادة الدولة ومقدراتها.
وأمام خطر هذا التغلغل، لا بد من وقفة حازمة لتحديد المراكز القانونية؛ فالحقوق السيادية والوصاية على الوطن يجب أن تظل حصراً في يد أصحاب الجنسية الأصلية (بالدم وبالأرض). أما هؤلاء الوافدون، فيجب أن يُصنفوا كأصحاب "جنسية مكتسبة" فقط، تُسحب منهم صفة الأصالة وتوضع لهم حدود تمنعهم من مزاحمة أهل الأرض الحقيقيين في القرار السيادي أو تمثيل الهوية الوطنية، حفاظاً على نقاء النسيج الاجتماعي من هذا الاختراق والمسخ الممنهج.
بقلم: يحياوي محمد الأمين ولد يحيى



