
وقف الوزير الأول المختار ولد اجاي، صباح اليوم السبت 7 نوفمبر 2026، أمام الجمعية الوطنية لعرض السياسة العامة لحكومته، وفق المادة 42 من الدستور، في جلسة ستناقش ويُصوّت عليها النواب يوم الاثنين 9 نوفمبر. خطاب طويل، بلغة منمقة، ومحاور كثيرة، وتعهدات كبيرة.. لكن السؤال الذي يفرض نفسه على كل موريتاني سمع الخطاب: هل هذه التعهدات جديدة، أم أنها نسخة مكررة من وعود سمعناها قبل عامين، ولم يرَ المواطن منها إلا القليل؟
أولا: ما الذي قاله ولد اجاي؟
حدد الوزير الأول ثلاث أولويات للمرحلة المقبلة: تحسين القدرة الشرائية للمواطنين، وخلق ديناميكية اقتصادية وتنموية في الولايات الداخلية، والانتقال إلى رؤية استراتيجية للتنمية في أفق 2060.
وفي ملف القدرة الشرائية، تعهد بتعويض أثر التضخم على الموظفين والمتقاعدين المدنيين والعسكريين، خصوصا أصحاب الرواتب المحدودة، عبر زيادات في الأجور والمعاشات أو دعم مالي مؤقت، ودعا إلى مفاوضات عاجلة لرفع أجور عمال الاتفاقية الجماعية، والتكفل المؤقت بجزء معتبر من فواتير الماء والكهرباء للأسر محدودة الدخل، ومراجعة آلية تحديد أسعار المحروقات، وإضافة اللحوم إلى قائمة المواد المسقفة السعر مع القمح والأرز والسكر وزيت الطبخ.
وفي تنمية الداخل، وعد ببرنامج لتنشيط القطاعات الاقتصادية حسب إمكانات كل ولاية، وإنشاء صندوق خاص لتمويل التنمية، ومضاعفة التمويلات للمبادرات الشبابية، ومنح حوافز تمويلية وضريبية للاستثمار، خصوصا في السيادة الغذائية.
وفي الإصلاح الإداري، وعد بمرسوم يفصل بين المناصب الإدارية التي تخضع للأقدمية والتجربة والتخصص والكفاءة والأداء، والمناصب السياسية التي تحتفظ الحكومة بالتعيين فيها، وبرنامج للتكوين المستمر، وإعداد رؤية «موريتانيا التي نريد 2030».
واستعرض حصيلة سابقة قال إنها تشمل إنجاز 7600 حجرة دراسية منذ 2019، وحفر 1340 بئرا، وبناء مستشفيين جهويين، وإنجاز 784 كلم من الطرق الجديدة وإعادة بناء 997 كلم، وإقرار 156 مشروع قانون، واعتماد قانون جديد لمكافحة الفساد وقانون التصريح بالممتلكات، وإنشاء السلطة الوطنية لمكافحة الفساد. 97342869
على الورق، يبدو الخطاب متكاملا. لكن السياسة لا تُقاس بالورق، بل بالأثر.
ثانيا: لغة الأرقام تصطدم بلغة السوق
قال ولد اجاي إن مؤشر الأسعار ارتفع تراكميا بـ 7.3% بين نهاية فبراير ونهاية سبتمبر 2026، وإن الحكومة ستخطط على أساس استمرار الأزمة حتى منتصف 2027.
لكن الأرقام الرسمية نفسها تكذّب التطمين. فالوكالة الوطنية للإحصاء والتحليل الديمغرافي والاقتصادي أعلنت أن التضخم السنوي بلغ 9.3% في سبتمبر 2026، وأن أسعار الغذاء ارتفعت 12.5% خلال عام واحد.
فكيف يصدق المواطن وعد «تعويض التضخم» وهو يرى كيس الأرز والسكر والزيت واللحم يرتفع كل أسبوع؟ وكيف يصدق وعد «تسقيف اللحوم» وهو يعلم أن تسقيف المواد السابقة لم يمنع المضاربة ولا الاحتكار في الأسواق؟
المواطن لا يريد خطابا عن التضخم، يريد سعرا ثابتا في السوق. ولا يريد وعدا بدعم فواتير الماء والكهرباء «جزءا معتبرا» و«مؤقتا»، يريد ماء لا ينقطع وكهرباء لا تحرق أجهزته.
ثالثا: تنمية الداخل.. وعد يتكرر منذ سنوات
ليست هذه أول مرة يتحدث فيها ولد اجاي عن تنمية الداخل. ففي حكومته السابقة، كان البرنامج الاستعجالي لتعميم النفاذ إلى الخدمات هو العنوان الأبرز، بغلاف 140 مليار أوقية، ونسبة إنجاز معلنة 61.4%.
ومع ذلك، ما زالت القرى تشكو العطش، والمناطق الرعوية تشكو نقص الأعلاف، والشباب يشكو البطالة. واليوم يعود الرجل بنفس الوصفة: صندوق جديد، برنامج جديد، حوافز جديدة.
إن المشكلة ليست في تعدد البرامج، بل في غياب المحاسبة على البرامج السابقة. فكيف نثق في «صندوق خاص لتشجيع تمويل التنمية» قبل أن نعرف أين ذهبت أموال البرنامج الاستعجالي؟ وكيف نثق في «مضاعفة تمويل المبادرات الشبابية» والشباب لا يجد تمويلا واحدا دون وساطة؟
رابعا: إصلاح الإدارة ومكافحة الفساد.. القول يناقض الفعل
أخطر ما في الخطاب هو حديثه عن الفصل بين المناصب الإدارية والسياسية، وعن معايير الكفاءة والأقدمية والتخصص، وعن مكافحة الفساد.
فهذا الكلام جميل، لكن الواقع يقول عكسه. فالإدارة الموريتانية ما زالت تُدار بالولاء لا بالكفاءة، والتعيينات ما زالت تُوزع على أساس القرابة والزبونية، والفساد ما زال ينخر الصفقات الكبرى.
ولد اجاي نفسه قال في خطابه: «الاعتزاز بما تحقق لا يحجب عنا ما لم يتحقق». وهي جملة اعتراف ضمني بأن الكثير لم يتحقق. فلماذا إذن يُعاد تكليف نفس الرجل، بنفس الفريق، بنفس الأسلوب، لينفذ نفس الوعود؟
لقد استقالت حكومته في 9 أكتوبر 2026 بعد تقرير لجنة التحقيق في حرائق محطتي الكهرباء في نواكشوط، ثم أُعيد تكليفه بعد ساعات فقط. فأي رسالة يبعثها هذا المشهد للمواطن؟ رسالة أن المحاسبة مجرد مسرحية، وأن الفشل لا يُعاقب، بل يُكافأ بمنصب جديد.
خامسا: رؤية 2060.. هروب إلى المستقبل
حين يعجز المسؤول عن حل مشاكل اليوم، يهرب إلى الحديث عن 2060. فالرجل الذي لم يستطع تنظيف نواكشوط، ولا توفير الماء والكهرباء بانتظام، ولا خفض أسعار الغذاء، يعدنا اليوم بموريتانيا بعد 34 سنة.
نحن لا نرفض التخطيط بعيد المدى، لكن التخطيط لا يكون بديلا عن حل مشاكل المواطن الآنية. المواطن الذي لا يجد دواء، ولا يجد عملا، ولا يجد خضروات بسعر معقول، لا يهمه ما ستكون عليه موريتانيا في 2060، بل يهمه ما ستكون عليه موريتانيا غدا صباحا.
والدليل أن ولد اجاي نفسه أجل التفاصيل إلى نهاية يناير المقبل. أي أن الخطاب اليوم كان خطاب نوايا، لا خطاب إجراءات. جزء سينفذ «فورا بعد الثقة»، والباقي سننتظره ثلاثة أشهر أخرى. وهكذا يتواصل مسلسل التأجيل.
الخلاصة: لا ثقة بلا محاسبة
خطاب ولد اجاي اليوم ليس سيئا في صياغته، بل هو جيد لغويا، محكم في بنائه، مريح في سماعه. لكنه خطاب سبق أن سمعناه.
سمعنا وعود القدرة الشرائية، فارتفعت الأسعار.
سمعنا وعود تنمية الداخل، فبقي الداخل مهمشا.
سمعنا وعود إصلاح الإدارة، فبقيت الإدارة على حالها.
سمعنا وعود مكافحة الفساد، فبقي الفساد أقوى.
إن الفرق بين رجل الدولة ورجل الخطابات، هو أن الأول يُحاسب على ما أنجز، والثاني يُصفق له على ما قال.
واليوم، أمام البرلمان، الكرة في ملعب النواب. فإما أن يمنحوا الثقة على أساس الوعود، كما فعلوا من قبل، وإما أن يطالبوا بحصيلة مدققة، بأسماء وأرقام وآجال واضحة، وبربط كل تعهد بمسؤول وبعقوبة عند الإخلال.
فالشعب الموريتاني لم يعد يريد خطابا آخر. يريد فعلا واحدا يصدق القول.




