البرنامج الاستعجالي: 184 مليار أوقية معلنة.. والمواطن ما زال يسأل: أين الخدمة؟ بقلم: الياس محمد

جمعة, 06/11/2026 - 21:39

لم يعد البرنامج الاستعجالي لتنمية نواكشوط وتعميم النفاذ إلى الخدمات الأساسية مجرد برنامج تنموي في نظر المواطن الموريتاني، بل تحوّل إلى اختبار سياسي وأخلاقي لمصداقية الخطاب الرسمي. فبين الأرقام التي تُعلن في القاعات الرسمية، والواقع الذي يعيشه المواطن في الشارع والمستشفى والسوق، تتسع الهوة يوما بعد يوم، وتتعالى أسئلة لم تعد تحتمل التأجيل.

أرقام ضخمة.. وحصيلة هزيلة

أطلقت الحكومة المرحلة الأولى من برنامج تنمية نواكشوط في 20 يناير 2025 بغلاف مالي بلغ 69 مليار أوقية قديمة، ثم أعلنت في 5 نوفمبر 2026 تدشين مرحلتها الأولى وإطلاق مرحلة ثانية بـ 115 مليار أوقية، لتصل الاستثمارات المعلنة للمرحلتين إلى 184 مليار أوقية قديمة.

وتقول الحصيلة الرسمية إن المرحلة الأولى أنجزت 460 فصلا دراسيا جديدا وتأهيل 859 فصلا، والتدخل في 120 مؤسسة تعليمية، وإنجاز 68 كيلومترا من الطرق، و150 كيلومترا من الشبكات الكهربائية، و215 كيلومترا من الإنارة العمومية، والتدخل في 14 مركزا صحيا.

أما البرنامج الاستعجالي لتعميم النفاذ إلى الخدمات في الداخل، فقد أعلنت الحكومة أن غلافه بلغ 140 مليار أوقية، وأن نسبة الإنجاز العامة وصلت إلى 61.4%، من أصل 2622 تدخلا، اكتمل منها 1366 تدخلا، فيما ما زال 1124 قيد الإنجاز، و132 لم تنطلق أشغاله بعد. f47890c3

هذه الأرقام، على ضخامتها، هي التي تطرح السؤال الأكبر: إذا كان هذا هو حجم الإنفاق، فلماذا لم يتغير وجه الحياة اليومية؟

أين الشوارع؟ وأين النظافة؟

في نواكشوط، العاصمة التي يفترض أن تكون واجهة البلد، ما زال المواطن يغرق في الأوحال مع أول مطر، وتختنق أحياؤه بالبرك الراكدة، وتتقطع طرقه بالحفر.

 

والأخطر أن رئيس الجمهورية نفسه أقرّ، في اجتماعه مع أطر نواكشوط الجنوبية يوم 5 نوفمبر 2026، بأن أداء شركة النظافة المتعاقد معها، شركة «آرما»، «لم يبلغ بعد النتائج المنشودة»، رغم ما قيل عن خبرتها وتجهيزاتها المتطورة.

 

فإذا كانت الدولة قد استعانت بشركة أجنبية، وأنفقت المليارات على التهيئة الحضرية، واعترف أعلى هرم في الدولة بفشل النظافة، فمن المسؤول؟ ومن يحاسب؟ ولماذا يدفع المواطن ثمن هذا الفشل مرتين: مرة من المال العام، ومرة من صحته وكرامته؟ 7347

 

أين التشغيل؟ وأين الصحة والدواء؟

 

البرنامج الاستعجالي وُعد به كأداة للتشغيل والحماية الاجتماعية، لكن الشباب ما زال يصطف أمام البطالة، والهجرة ما زالت تنزف خيرة أبناء البلد، والأسواق تشتعل بالأسعار.

 

وفي الصحة، تتحدث الحصيلة عن 18 مركزا صحيا أنجزت من أصل 28 مبرمجة، وخمسة أخرى ينتظر اكتمالها، وخمسة تجاوزت نسبة تقدمها 80%. لكن المواطن لا يقيس الصحة بعدد الجدران، بل بوجود الطبيب المختص، والدواء الجيد، والاستقبال اللائق في المستعجلات. فكم من مركز دُشّن وبقي بلا تجهيز؟ وكم من مريض اشترى دواء رديئا بثمن باهظ لأنه لم يجد البديل؟

 

وفي الداخل، كشفت مشاورات المرحلة الثانية نفسها عن الحقيقة: في كوركول وحدها سُجل 520 مطلبا، منها 451 مطلبا جديدا، أي أن 86.7% من حاجات السكان لم تغطها المرحلة الأولى. وفي لبراكنة، لم تتجاوز نسبة التنفيذ في الشباب والرياضة 42%، رغم اكتمال المياه بنسبة 100%. هذا التفاوت ليس مجرد رقم، بل دليل على أن «الاستعجال» لم يصل إلى كل المواطنين بالوتيرة نفسها. 4dc7cee5

 

أين الخضروات؟ وأين العدالة؟

 

يسأل المواطن اليوم عن سعر الخضروات، عن الماء، عن الكهرباء، عن العدالة في توزيع الفرص والصفقات. يسأل: لماذا تتركز المشاريع الكبرى في دوائر ضيقة؟ ولماذا تُمنح الصفقات لذات الوجوه التي تتنقل بين الأنظمة منذ عقود؟

 

هنا، لا يطالب الرأي العام إلا بحق واحد: الشفافية. نشر الصفقات، أسماء الشركات المنفذة، كلفة كل مشروع، نسبة إنجازه الحقيقية على الأرض، لا على الورق. فالمال العام ليس ملكا لحكومة ولا لوزير أول، بل ملك للشعب.

 

وقد عبّر عن هذا الشعور برلمانيون أنفسهم، حين وصف النائب المختار ولد الإمام إطلاق المرحلة الثانية بأنه «استباق للزمن»، لأن أغلب تدخلات المرحلة الأولى ما زالت قيد التنفيذ، وبعضها تجاوز الآجال بكثير، وبعضها لم يبدأ أصلا. فكيف ننتقل إلى مرحلة ثانية قبل أن نحاسب على الأولى؟ be94

 

ولد اجاي أمام المساءلة

 

الوزير الأول المختار ولد اجاي هو من قاد التعبئة للبرنامج، وهو من قدّمه للرأي العام بلغة الأرقام والوعود. لذلك، من الطبيعي أن توجه إليه الأسئلة، لا كاستهداف شخصي، بل كمسؤولية سياسية.

لقد مرّت حكومته بأزمة حرائق محطتي الكهرباء في نواكشوط في أغسطس 2026، ثم استقالة وإعادة تكليف في أكتوبر 2026، في مشهد أربك الرأي العام. وبعدها، جاءت لجنة التحقيق لتتحدث عن اختلالات في صفقات مرتبطة بالكهرباء. هذا السياق جعل المواطن لا يثق في الخطابات المطمئنة، بل يطالب بلجنة تحقيق مستقلة في كل البرنامج الاستعجالي، لا في حريق واحد فقط. 2a4d

الخلاصة: لا مرحلة ثانية دون حساب للمرحلة الأولى

البرنامج الاستعجالي ليس فاشلا لأنه لم يبْنِ شيئا، بل لأنه بنى أقل بكثير مما أُنفق عليه، وأقل بكثير مما وُعد به. لقد بُنيت فصول، ومُدّت طرق، وأُنشئت مراكز، لكن المواطن لم يشعر بأن حياته تغيرت.

إن المطلوب اليوم ليس تدشينا جديدا ولا رقما جديدا، بل ثلاثة أشياء:

1. تدقيق مستقل: نشر تقرير مفصل، مدقق من جهة مستقلة، عن كل أوقية صُرفت.

2. تشغيل حقيقي للمرافق: ضمان أن تعمل المراكز الصحية والمدارس التي دُشنت، لا أن تبقى هياكل فارغة.

3. عدالة في التوزيع: أن يصل البرنامج إلى من يحتاجه فعلا، لا إلى من يملك النفوذ للوصول إليه.

فالشعب الموريتاني لا يطلب المعجزات. يطلب شارعا نظيفا، ومدرسة محترمة، ومستشفى يعالج، وسوقا في المتناول، وعدالة لا تميز بين ابن الوزير وابن الفقير. فإذا لم يحقق البرنامج الاستعجالي هذا الحد الأدنى، فسيبقى في ذاكرة الناس مجرد عنوان جميل، وميزانية ضخمة، وأسئلة بلا جواب.