
أرض الأولياء ومقام الزهاد
تبختر بلدة دكياي في رداء من القدسية والنقاء، كأنها درة انتثرت في حشا الصحراء لتكون منارة للهدى ومستقراً للأرواح الزكية. فهذه البقعة الطاهرة لم تكن يوماً مجرد جغرافيا عابرة، بل هي وديعة السماء التي حباه المولى عز وجل بكرامة عظيمة، إذ استودع ترابها أجساداً لرجال صالحين، وأولياء أتقياء، وزهاد عاهدوا الله فصدقوا العهد. لقد توضأت رمالها بسجدات الخاشعين، وارتوت جنباتها بذكر الله، فغدت روضة من رياض الطهر والبركة، ينبعث من عُرفها الطيب عبق التاريخ وروحانية اليقين.
وفي وصف طهرها وترابها المعطر بذكراهم، نُنشد:
سلامٌ على رملٍ بـه العِزُّ قد حُفِرا
وفي حِضنهِ طابتْ نفوسٌ وما كَفَرا
دكيايُ يا روضَ الأولياء ومقصدٌ
بها النورُ يهدي كلَّ من حارَ أو حَسِرا..
جود اهلها يضاهي السحاب وأهل يكرمون الضيف
وإذا كان التراب في دكياي المزروف ينطق بالتقوى، فإن أهلها الكرام قد فطروا على الجود الذي لا يحيط به وصف، والكرم الذي يغلب حاتمياً. هم قطرة المطر حين تجود على الأرض اليباب، وهم الدرع الحصين لكل طارق وخائف. تتسع صدورهم للضيف قبل بيوتهم، وتجري أيديهم بالخير والعطاء بلا منّ ولا أذى. في وجوههم بياض يطابق بياض قلوبهم، وفي مجالسهم تعبق مكارم الأخلاق، متوارثين مجد الأجداد الكرام كابراً عن كابر، حافظين للعهد، مكرمين للنزيل، حاملي لواء المروءة في أبهى تجلياتها.
ومما قالته العرب في وصف أهل الجود والكرم الذين ورثوا المجد كابراً عن كابر:
هُمُ القومُ إن جارتْ عليهم ميامينُ
وهم للصبايا والضَّيوفِ بساتينُ
إذا ضاقَ وجهُ الدهرِ طابتْ وجوهُهُم
وبالجودِ في العسراتِ للضيفِ عارِفُونَ
خلاصة: إن "دكياي المزروف" تبقى أسطورة حية في الذاكرة والوجدان؛ أرض ينحني لها التاريخ إجلالاً لسر صلحائها، وتسجد رمالها شكراً لطيبة أهلها وعظيم جودهم، لتبقى كما عهدناها: مهد الأجداد الكرام ومنبع البركة والطهر.




