حَدَّثَ يَحْيَاوِي مُحَمَّدُ الأَمِينِ قَالَ: لَمَّا انْسَدَّتْ أَمَامِي الأَجْوِبَةُ وَالآرَاء، وَأَعْيَتْنِي حِيلَةُ السِّيَاسَةِ وَالدَّهْمَاء، وَرَأَيْتُ النَّاسَ يَمُوجُونَ فِي حِيرَةٍ وَبَلاء، خَرَجْتُ أَنْشُدُ الشَّيْخَ دِيلُول، وَأَبْحَثُ عَنْهُ فِي كُلِّ سَبِيلٍ وَمَجْهُول، عَسَايَ أَجِدُ عِنْدَهُ بَيَانَ الخَبَر، وَمَا جَادَ بِهِ العَقْلُ وَالفِكْر.
فَلَمَّا أَلْفَيْتُهُ يَرْقُبُ العَاصِمَةَ مِنْ بَعِيد، وَيَهُزُّ رَأْسَهُ كَالمُعْتَرِضِ العَنِيد، دَنَوْتُ مِنْهُ وَقُلْتُ لَهُ: يَا شَيْخُ, مَا بَالُ هَذَا الحِوَارِ قَدْ تَعَطَّلَتْ مَسَالِكُه، وَكَثُرَتْ فِي السَّاحَةِ مَعَارِكُه؟ أَمَا هُوَ إِلَّا لُعْبَةٌ لِلتَّرَجُّلِ نَحْوَ الشَّارِع، أَمْ خُطْوَةٌ لِلتَّمْدِيدِ وَالمَطَامِع؟
فَالْتَفَتَ الشَّيْخُ وَقَدْ بَدَا عَلَيْهِ الأَسَف، وَقَالَ قَوْلَ مَنْ خَبِرَ السِّيَاسَةَ وَعَرَف: يَا بُنَيَّ، إِنَّمَا هَذَا الحِوَارُ تَوْطِئَةٌ جَدِيدَه، لِمَرْحَلَةٍ بَعْدَ المَأْمُورِيَّةِ الثَّانِيَةِ عَنِيدَه، حِينَمَا اشْتَدَّتْ حُمَّى الخَطَايَا، وَكَثُرَتْ فِي الرَّعِيَّةِ الشَّكَايَا. فَهُمْ يَطْلُبُونَ المَأْمُورِيَّةَ الثَّالِثَةَ بِغَيْرِ حَيَاء، وَيَجْعَلُونَ الدُّسْتُورَ مَحَلَّ خِفَاء، وَيَخْطُبُونَ وُدَّهَا كَمِ النِّسَاءِ! وَقَدْ تَمَالَأَ عَلَى ذَلِكَ أَهْلُ المَصَالِحِ وَالتَّصْفِيق، مَنْ يَبِيعُونَ المَوَاقِفَ فِي كُلِّ مَضِيق، فَيُزَيِّنُونَ لِلْحَاكِمِ البَقَاء، وَيَعِدُونَهُ بِالدَّوَامِ وَالثَّنَاء!
ثُمَّ تَبَسَّمَ دِيلُولُ وَالتَفَتَ جِهَةَ القَصْرِ وَقَال: وَالعَجَبُ كُلُّ العَجَبِ مِمَّا دَارَ فِي البَال، إِإِذْ أَرَادُوا إِعَادَةَ الشُّيُوخِ إِلَى هَرَمِ البَرْلَمَان، بَعْدَمَا حَلَّهُمْ صَدِيقُهُ العَزِيزُ فِي سَالِفِ الأَزْمَان؛ كَأَنَّهُمْ يَمْحُونَ أَثَرَ الصَّدِيقِ الرَّاحِل، أَوْ يَبْحَثُونَ عَنْ حِصْنٍ جَدِيدٍ لِلْمَرَاحِل!
وَعَمْرُكَ يَا بُنَيَّ، لَقَدْ كَانَ أَوْلَى بِأُولَئِكَ الشُّيُوخِ المَسَاكِين، أَنْ تُبْنَى لَهُمْ دَارٌ لِلْعَجَزَةِ أَوِ المُسِنِّين، أَوْ يُكْفَلَ لَهُمُ المَعَاشُ فِي الأَحْقَابِ وَالسِّنِين، بَدَلَ أَنْ يُقْحَمُوا فِي لُعْبَةِ الحُكْمِ وَالمَدَار، فَالشَّيْخُوخَةُ لَهَا السَّكِينَةُ وَالتَّبْتِيل، لَا التَّصْفِيقُ لِلْمَجْلِسِ وَالتَّبْدِيل! ثُمَّ أَنْشَدَ يَقُول:
رِئَاسَتُنَا مَرَاسِمُهَا حِوَارُ ... وَقَدْ عَقَدَ الرَّئِيسُ لَنَا القَرَارُ
فَقَدْ مَلَّكَ الشُّيُوخُ لَهُمْ قِرَانًا ... وَعَاشِقَةُ الْكَرَاسِي لَا تُزَارُ
فَطَلَّقَهَا الثَّلَاثَةَ فَاسْتَحَالَتْ ... وَبَانَ الْقُرْبُ وَانْقَطَعَ الْجِوَارُ
أَرَادَ الشُّيُوخُ لَهَا رُجُوعًا ... وَإِنْ سَقَطَ الإِزَارُ بَدَا الدِّثَارُ
فَقَالَ لَنَا بِهِ دَيلُولُ قَوْلًا ... كَلَامُ اللَّيْلِ يَمْحُوهُ النَّهَارُ




