
بينما يخطو العالم خطوات متسارعة نحو عصر الذكاء الاصطناعي والاتصال فائق السرعة، تقبع عاصمتنا نواكشوط في "عصور الظلام" الرقمي. ليست المشكلة في ندرة الموارد، بل في احتكار ثلاثي، (موشينتيل، وهو اسم دمجنا فيه أسماء الشركات الثلاث تجنباً للإشهار بذكر أسمائها الصريحة)، أطبق على أنفاس المواطن، مستنزفاً جيوبه بأسعار باهظة مقابل خدمات لا ترتقي لأدنى معايير الجودة. إن واقعنا اليوم ليس في قلة شبكات الاتصال، بل هو استخفاف متعمد بحق أساسي؛ حيث تفتقد هذه الشركات (الغبية) لأدنى مستويات الاستقرار، سواء على مستوى جودة المكالمات الخلوية التي تنقطع باستمرار، أو على مستوى بيانات الإنترنت الضعيفة التي لا تُسعف المشترك في أبسط المهام.
عند ادعاء هذه الشركات، (موشينتيل)، الذكاء في توفير خدمات "الجيل الخامس" (5G) التي يُفترض بها أن تدعم تقنيات الذكاء الاصطناعي وبناء المدن الذكية، وأن لا تنقطع أبداً مع انقطاع الكهرباء بفضل مولدات خاصة لتقوية البث على الأبراج، نجد أنها ليست سوى كذبة كبرى تسوقها لابتزاز المشتركين؛ ففي الواقع، يعجز هذا "الجيل" المزعوم عن تحميل أبسط صورة بمجرد غياب التيار. وهنا يبرز التناقض الصارخ: فهذه الشركات الثلاث التي فيما يبدو تتنافس على أن تكون "الغباء الاصطناعي" الوحيد، أو لعلها تمثل "الغباء الاصطناعي" في العالم، في حين يصر النظام على أن تكون نواكشوط مدينة عصرية بامتياز، نجد أنها تسحبنا قسراً إلى "عصور الظلام" التقني. وفوق هذا الفشل، تمارس الشركات سياسة "نهب مقنن" عبر باقات التعبئة؛ إذ يروجون لأحجام بيانات خيالية، مقسمة بين "سعة عليا وسعة دنيا" لإيهام المواطن بضخامة الرصيد، بينما هي في الحقيقة مجرد "نفخ" رقمي كاذب، تتبخر معه الباقات في أيام معدودة دون أن يستهلك الزبون ما وعدوه به فعلياً.
والأدهى من ذلك هو غياب "الاستقلالية التقنية"؛ فشركاتنا (الغبية) ليست مستقلة عن تقلبات التيار الكهربائي، بل هي رهينة له. إنها تفتقر لأدنى حلول الطوارئ، فبدلاً من الاستثمار في مولدات مستقلة أو أنظمة طاقة شمسية لأبراج البث لضمان استقرار الخدمة، تترك نواكشوط لتعيش "ريفاً بلا اتصال" في كل مرة ينقطع فيها التيار. إن هذا العجز الفاضح يكشف أننا أمام كيانات هشة، تفتقر للحلول التقنية الأساسية، ولا تقدم للمواطن سوى خدمات غير مستقرة وغير مستقلة، تحلب جيوبه دون أن توفر له الحد الأدنى من الجودة المطلوبة.
ختاماً، لم يعد مقبولاً استمرار هذا الاستخفاف بحقوقنا الرقمية. آن الأوان لفرض رقابة صارمة تجبر هذا الثلاثي على تحديث بنيته التحتية وتوفير سرعات حقيقية، مستقرة، ومستقلة عن أعطال الشبكة الكهربائية، أو أن يواجهوا مصير الإغلاق. فالمواطن لم يعد يحتمل دفع ثمن فشلهم التقني، والأسواق لا تحتاج لكيانات لا تُقدم سوى الابتزاز وخدمات متهالكة لا تصمد أمام أبسط التحديات، في عصر التكنولوجيا وأنظمة الذكاء الاصطناعي والمدن الذكية.
بقلم: يحياوي محمد الأمين ولد يحيى




