وادي المرايا (الحلقة 49): حائكو الخيمة الكبرى وإصرار البزة الترابية/ ​بقلم: يحياوي محمد الأمين ولد يحيى

اثنين, 15/06/2026 - 16:24

​مع انغلاق محابس الصناديق المرتدة، وتنكيس دلو "البحتار" الكبير الدلال المثقوب في بئر طوشكاون في عهد الحلقة 48، ومعه "دلو يدامح" و"دلو دالوم" من تلك الدِّلاء التي تهاوت واستُنزفت في بئر الوادي، تلاشت آخر مساحيق الزينة عن وجوه شلة وجهاء المزايدات، وانكشف أصحاب الدِّلاء خلف الدلّال في سوق المقايضات الكاسدة. لم يكن تقريع صاحب اللباس الترابي لهم في جلسة الساعات العشر الطوال مجرد توبيخ عابر لعجزهم الفاضح عن غربلة المشهد أو تزكية مختار واحد نزيه يرتدي البدلة المدنية، بل كان فصلاً من مسرحية كُتبت كواليسها بعناية خلف الستار؛ مسرحية تكشف إصراره على إعادة إنتاج وتدوير الحكم الفاشل من جديد.

​فبينما كان الهتاف العلني يدندن حول البحث عن وجه سليم لم يمسه داء الفساد لتسليمه حقيبة الأمانة، كان صاحب اللباس الترابي يلتفت في السر، ويفتح آذانه لدلالي الخلفية وسدنة العهد القديم القابعين تحت الطاولة. لم يكن هذا الإصغاء السري سوى ارتداد لجينات لعنة قديمة سكنت العِرق؛ فالرجل ليس سوى سليل ذلك الجد الوافد الذي تلمس في غابر الأزمان "موطئ قدم" للحصول على تلك الدار العارية، وطُرد مخذولاً ومبعداً عندما حاول بث ونشر "طريقته المحظورة" بين جماهير الوادي لضمان ولاء مطلق وتثبيت أركان وجوده قبل أن يتبدد المكر.

​واليوم، يفتقر الحاكم المأخوذ بتسرب العدوى إليه وإلى بطانته إلى الحنكة السياسية، ويعجز تماماً عن انتشال "إيناتيروم" وتقديم ولاءاتها الجديدة، مفرطاً في سيادة الوادي لصالح شلل البحاتير والدلالين الذين استدرجوه إلى فيجاج الأطماع الكاسدة. إنه يحاول واهماً إعادة حياكة طريقة جده القديمة التي فشلت قديماً، مستسلماً لمن ينسجون له تحت الطاولة خيوط التمديد والمأمورية الثالثة، ظاناً أن امتلاكه لزمام السلطة سيمكنه من بث تلك اللعنة مجدداً، ومتناسياً أن عهود الوادي لا تحمي المشتري، وأن الدار ستبقى عارية؛ ذلك الكرسي الطواف الذي يظن الجالس فوقه أن حياطة نفسه بالجنود ولزوم صمت القبور وسط الأزمات الطاحنة قد يمنحه صك التمليك.

​وفي غمرة هذا الارتباك والارتعاش السياسي الجديد، حيث يلف السدنة أكمام دراريعهم للقفز نحو المرحلة المقبلة وتشييد خيمة "الرَّصْق" أكبر من المكر لمقايضة السيادة بالاحتماء، تنكشف عورات المشهد لتبدو "وادي المرايا" -ولو تقدمت في السنين وعبر العصور- كأنها نسخة طبق الأصل تعيد إنتاج خطاياها الأولى. وانفتحت الأفق على تيه جديد يعيد الذاكرة الجمعية إلى فجاج قديمة، حيث تلاقت خطوط القدر يوماً في غابر الأزمان عند صخرة عاتية، حيث كان جده قد وفد إلى شيخ هضبة الجبل خوفاً من دفع الإتاوات لأمير الهضبة، وحيث خطت نقوش الصخر أولى حكايات الجشع والنزوح الأول، لتثبت أن هيبة العروش الواهية لم ولن تنزع رجفة الخوف الكامنة في العِرْق