في حكومة ولد اجاي : المناصب تذهب لمن لا يستحق، و الكفاءة تُقصى،و من يجيد التصفيق أكثر ممن يجيد العمل والفساد هو الابن الشرعي للفساد حين تضع غير الكفء علي المال العام، فكأنك وضعت ذئباً على غنم./ الياس محمد.

أربعاء, 29/07/2026 - 16:10

قد يعتلي ظهرَ الخيولِ ذبابُ

ويقودُ أسرابَ الصقورِ غرابُ

ويسودُ في الأوطانِ كلُّ منافقٍ

ويُهانُ فيها الطاهرُ الأوّابُ

بيتٌ يختصر كل زمانٍ تنقلب فيه الموازين.

يقولها العرب إذا رأوا الصغير يعلو لأنه خفيف لا لأنه أصيل، وإذا رأوا الوضيع يتصدر المجلس لا لفضلٍ فيه، بل لفراغ المجلس من أهله.

الذباب لا يصير خيلاً إذا اعتلى ظهرها، والغراب يبقى غراباً ولو مشت خلفه الصقور. العلوُّ عرضي، والأصل باقٍ.

هذا البيت يوجع لأنه صادق، ونحبه لأنه يذكرنا أن الخيول تبقى خيولاً حتى لو أثقلها الذباب، وأن الصقور تبقى صقوراً حتى لو قادها حيناً غراب. ما هي إلا سحابة صيف وتنجلي.

نعم هذا مايجري في موريتانيا اليوم

هذا الشعور يردده كثير من أهل موريتانيا هذه الأيام، من نواكشوط إلى الداخل.

حين يرى الإنسان أن المناصب تذهب لمن لا يستحق، وأن الكفاءة تُقصى، وأن الواجهة يأخذها من يجيد التصفيق أكثر ممن يجيد العمل... طبيعي أن يخرج هذا البيت من القلب قبل اللسان.

هي ليست مشكلة موريتانيا وحدها، لكنها توجع أكثر في بلدٍ مثل بلدنا، بلد ما زال بكراً، مليئاً بالخير، بالشباب المتعلم، بالحافظ والمهندس والطبيب، ثم ترى أن الفرصة تضيق على الصادق وتتسع للذباب.

قال أهل شنقيط قديماً: "الدولة إذا لم تجد من يخدمها وجدت من يأكلها."

الخيل في موريتانيا لم تمت.

الصقور ما زالت موجودة، فقط تنتظر سماءً أنظف لتطير.

الغربان تعلو بصوتها، لكنها لا تصنع تاريخاً. التاريخ تكتبه الخيول حين تعود للميدان.

ما أكثر شيء يوجعنا في هذا المشهد؟

تهميش الكفاءات عندنا ليس صدفة، هو نظام كامل

الرجل المناسب يُبعد لأنه سيقول "لا"، ولأنه سيكشف عجز من فوقه. فيُؤتى بمن يقول "نعم" دائماً، حتى لو كان لا يفهم. فتتحول الإدارة من مكان للخدمة إلى مكان للولاء. القبيلة، والجهة، والصداقة، تصبح أهم من الشهادة والخبرة.

والنتيجة نراها كل يوم في نواكشوط: مستشفى بلا تسيير، مدرسة بلا مستوى، مشروع بملايين يُعطى لشركة لا تملك حتى مكتباً.

والفساد هو الابن الشرعي لهذا التهميش. حين تضع غير الكفء في مكان المال العام، فكأنك وضعت ذئباً على غنم. هو لا يسرق لأنه محتاج فقط، بل لأنه يعلم أنه لم يصل بكفاءته، بل بمن أوصله، ولذلك ولاؤه لمن أوصله لا للدولة.

المشكلة دورة مغلقة:

نهّمش الكفء -> نأتي بغير الكفء -> غير الكفء يفسد ليثبت ولاءه ويبني شبكته -> الفساد يقتل الأمل -> الكفء يهاجر أو يسكت -> يبقى المجال أكثر للفاسد.

هذا هو ما يصنع ذلك المشهد: ذباب فوق الخيول.

في موريتانيا اليوم، بدأ يتكون جيل جديد خارج هذه الدورة. شباب لا ينتظر التعيين، يصنع شركته، منصته، مزرعته، محتواه. يجتمع مع من يشبهه لا مع ابن قبيلته. هذا هو الحل الوحيد الذي لا يحتاج إذناً من أحد.

أنت يا إلياس، في أي مجال ترى هذا التهميش أكثر؟ في الإدارة، التعليم، أم في فرص الشباب للعمل؟

التهميش في الإدارة والاعلام

في الإدارة:

عندنا إدارة ورثناها من فرنسا شكلاً، ومن العقل القبلي مضموناً. الورقة أهم من الإنسان، والختم أهم من الإنجاز.

الكفء في الإدارة الموريتانية يُتعب لأنه يريد أن يطبق القانون، والقانون في كثير من مكاتبنا يزعج.

الكفء يريد رقمنة، شفافية، وقت محدد للمعاملة... وهذا يقطع طريق "التخلويط" والوساطة. لذلك يتم تهميشه بطريقة ذكية: لا يُطرد، بل يُجمد. يوضع في مكتب بلا مهام، بلا ميزانية، بلا قرار، حتى يملّ ويطلب هو نفسه المغادرة أو يسكت.

ولذلك ترى الموظف البسيط في نواكشوط يدور أسبوعاً ليأخذ وثيقة كان يمكن أن تخرج في ساعة.

أما الإعلام:

فهذه هي الطامة الكبرى. كان يفترض أن يكون هو من يكشف الذباب فوق الخيل، فأصبح هو من يلمّعه.

الإعلام عندنا انقسم إلى قسمين، وكلاهما مُهمش فيه الكفء:

إعلام رسمي يوظف على الولاء، مهمته التطبيل، لا يجرؤ أن يسأل سؤالاً حقيقياً.

إعلام خاص كثير منه فقير، بلا تمويل، فيضطر صاحبه أن يبيع قلمه لمن يدفع. يصبح الخبر سلعة، والمدح لمن يدفع أكثر.

أما الصحفي الحقيقي، الذي درس، ويتعب ليتحقق من المعلومة، ويملك لغة وأخلاقاً، فلا مكان له. إما أن يجوع، أو يهاجر إلى الخليج وأوروبا، أو يفتح صفحة فيسبوك ويحارب وحده.

ولهذا ترى اليوم في موريتانيا: الغراب هو من يقود سرب الأخبار، والصقر الحقيقي يغرد وحيداً لا يسمعه أحد.

السؤال المؤلم: كيف نكسر هذا؟

الإدارة لا تصلحها إلا رقمنة حقيقية تقلل الاحتكاك بين المواطن والموظف، وتجعل الكفاءة رقمية لا يمكن تزويرها.

والإعلام لا يصلحه إلا جمهور واعٍ مثلك، يميز بين من يبيع الوهم ومن يقول الحقيقة، ويدعم الثاني حتى لو بكل