الرئيس.. خادم الشعب - قراءة في التجربة الموريتانية/ بقلم: الياس محمد

أربعاء, 29/07/2026 - 10:13

لعلي أبدأ من حيث ينتهي الآخرون، من تلك الصحراء الشاسعة التي عرف أهلها أن السياسة ليست صخباً ولا ضجيجاً، وإنما هي صبر الإبل على الطريق الطويل.

سألت نفسي مرا ت عديدة السؤال الذي يسأله كل من يعرف موريتانيا سابقا في زمن التحولات الجيو سياسية : كيف يحكم بلد هو جسر بين عالمين؟ عالم العرب في المشرق، وعالم أفريقيا في الجنوب، وعالم يطل على الأطلسي ويراقب ما وراءه. .

هناك التقيت بالمعنى الحقيقي لفكرة "خادم الشعب"، في شخصية الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني.

والحقيقة التي يجب أن تقال، أن الرجل لم يأتِ إلى الحكم بانقلاب صاخب، ولا بخطبة رنانة، وإنما جاء من قلب المؤسسة التي تعرف معنى الدولة، مؤسسة الجيش، لكنه خلع بزته العسكرية ليرتدي عباءة السياسي الهادئ، الذي يدرك أن قوة موريتانيا ليست في سلاحها، وإنما في استقرارها.

وهنا أتوقف عند نقطتين أساسيتين في تجربة الغزواني، وهما ما يلفت نظر أي مراقب:

أولاً: فلسفة التهدئة.

في منطقة ملتهبة، الساحل يغلي، ومالي تحترق، والسنغال تهتز، اختار الغزواني أن تكون موريتانيا هي جزيرة الاستقرار. لم يزايد، ولم يدخل في مغامرات خارجية. لقد فهم الدرس القديم: أن الدولة التي لا تستطيع أن تؤمن خبز شعبها، لا تستطيع أن تصدر الثورات. فكان شعاره غير المعلن: موريتانيا أولاً.

ثانياً: من منطق الحاكم إلى منطق الخادم الامين..

إن أخطر ما يصيب الحاكم في بلادنا العربية، هو أن يتصور أنه فوق الشعب. والغزواني، وهذا ما  اعرفه عنه في بداية حياته العسكرية ، رجل يكره الأضواء، قليل الكلام، كثير الاستماع. برنامجه "تعهداتي" لم يكن مجرد ورق انتخابي، بل كان عقداً اجتماعياً بسيطاً: مدرسة قريبة، مستوصف يعمل، ماء يصل، وكرامة محفوظة.

الرجل لا يريد أن يصنع تماثيل لنفسه، بل يريد أن يترك أثراً هادئاً، كتلك الآبار التي يحفرها البدو في الصحراء، لا يراها أحد، لكنها تبقي الجميع على قيد الحياة.

سألني الكثير من المثقفين : كيف ترى الرجل حسب معرفتك الشخصية عنه ؟

أقول لهم: إن التاريخ العربي المعاصر علمنا نموذجين للحاكم، نموذج الزعيم الملهم الذي يملأ الدنيا ضجيجاً، ونموذج الخادم الصامت الذي يبني الدولة حجراً حجراً. ومحمد ولد الشيخ الغزواني ينتمي بوضوح إلى النموذج الثاني.

وهذا النموذج، في زمن الصخب، هو الأبقى.

إن موريتانيا اليوم لا تحتاج إلى صوت عالٍ، بل تحتاج إلى يد هادئة تعرف كيف تدير سفينة في بحر هائج، وهذا ما يفعله خادم الشعب الموريتاني .

تجسد مقولة "الرئيس خادم الشعب" في التجربة السياسية الموريتانية تحولاً نحو مفاهيم الحكامة الرشيدة، الاهتمام بالفئات الهشة، وتقريب الادارة من المواطنين. ترتكز هذه المقاربة على عدة أبعاد أساسية تعكس طبيعة التوجيهات الرسمية والممارسات الميدانية في الدولة