محمد آب ولد الجيلاني يكتب /؟تحليل نقدي لنص رد الوزير سيد احمد من منظور اقتصادي

اثنين, 08/06/2026 - 20:26

لا يخلو عمل بشري من ثغرات، وتدوينة الوزير سيد أحمد ليست استثناءً من هذه القاعدة. فرغم ما تنطوي عليه من قدرة تشخيصية لافتة، تعتريها جملةٌ من الإشكاليات التي يمكن إجمالها في أربعة محاور رئيسية: المنهجية والموضوعية، والأخطاء التقنية، والتناقضات الداخلية، وأخيراً ضعف بناء الحجة.

أولاً: إشكاليات المنهجية والموضوعية

ثمة إشكالية بنيوية تسكن النص منذ سطره الأول، وهي أن كاتبه وزيرٌ للمالية سابق يتصدى للرد على وزير أول حالٍ، وهو ما يُدني النصَّ من خانة المواقف السياسية أكثر مما يُقرِّبه من التحليل الاقتصادي المحايد. ويزداد الأمر تعقيداً حين يُحيل الكاتب إلى "الفساد وغياب الرؤية" بوصفهما عِلَّةً للأزمة، متجاهلاً أنه كان شريكاً في تلك المرحلة بحكم توليه حقيبة المالية.

أما على صعيد المعالجة، فيُقدِّم الوزير الخيارَ الأول المتعلق بتسقيف أسعار المحروقات باعتباره أمراً بديهياً لا يستلزم "ذكاءً خارقاً"، وهو توصيفٌ ينطوي على تبسيط مُخِل. فسياسات دعم الطاقة تُفرز، كما يُثبت الأدبُ الاقتصادي لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، تشوهاتٍ هيكلية موثقة، أبرزها: تعزيز الاستهلاك غير الكفء، واستفادة الشرائح الأعلى دخلاً من الجزء الأوفر من الدعم العام، وترسيخ توقعات شعبية يصعب التراجع عنها لاحقاً.

ثانياً: أخطاء وإشكاليات تقنية

الخلط بين مستويات التضخم

يستشهد الوزير بنسبة 2% بوصفها مستوى تضخم "صحياً ومحفزاً"، وهو استشهاد صحيح في سياقه الأصلي المرتبط بالاقتصادات المتقدمة ذات الأسواق المالية العميقة. غير أن تطبيق هذا المعيار على موريتانيا يغفل أن المستوى المستهدف في الاقتصادات الناشئة والهشة يتراوح بين 3% و5%، وفق أدبيات البنك المركزي لغرب أفريقيا وتقارير صندوق النقد الدولي المخصصة للمنطقة.

إشكالية علاقة التضخم بالنمو

يستند الوزير إلى معادلة مفادها أن "كل نقطة تضخم تُنسف 0.1% من النمو"، دون أن يُفصح عن مصدر هذه العلاقة الكمية. والحال أن هذه العلاقة تتباين تبايناً جوهرياً بحسب المستوى الابتدائي للتضخم، وبنية الاقتصاد ريعيةً كانت أم إنتاجية، وكذلك درجة انفتاحه على الخارج. وتطبيقها على الحالة الموريتانية بهذا الإطلاق هو تعميمٌ لا يصمد أمام الاختبار الأكاديمي.

موقفه من مفهوم السيادة المالية

يُؤاخذ الوزيرُ خصمَه على توظيف مصطلح "السيادة المالية" مُدَّعياً أنه لا أصل له في الأدبيات الاقتصادية، وهو ادعاءٌ مردودٌ عليه من وجوه عدة: فالمصطلح حاضرٌ تحت مسميات متعددة كـ Souveraineté Fiscale وAutonomie Financière في أدبيات الاقتصاد السياسي الدولي، كما تُوظِّفه هيئاتٌ أممية ومنظمة التجارة العالمية وتقارير الأونكتاد. والأدقُّ أن يُقال إن الوزير خلط بين مفهوم السيادة المالية كإطار تحليلي والاستقلالية التامة عن الأسواق الدولية كإستراتيجية عملية، وهو خلطٌ يُضعف حجته ولا يُعززها.

ثالثاً: تناقضات داخلية في النص

ينتقد غياب التنسيق ويُمارسه

يعيب الوزير على الحكومة افتقارها إلى التنسيق بين السياستين النقدية والمالية، لكن نصه ذاته يجمع بين انتقاد القرارات النقدية المتعلقة برفع أسعار الفائدة، وانتقاد القرارات المالية المرتبطة برفع أسعار الوقود، وانتقاد المشاريع التنموية، كل ذلك دون أن يُقدِّم إطاراً تنسيقياً بديلاً واضحاً وقابلاً للتطبيق.

يرفض التوازن المحاسبي ثم يطالب به

يُصرِّح الوزير بأن "الدولة ليست منشأة خاصة همُّها التوازن المحاسبي"، ثم يعود ليُدين الإنفاق على المشاريع التجميلية في وقت الأزمة. وهذا تناقض في المرجعية التحليلية ذاتها، إذ لا يمكن رفض منطق التوازن في موضع واستحضاره في موضع آخر من الورقة نفسها.

رابعاً: ضعف في بناء الحجة

الهجوم الشخصي بديلاً عن التفنيد التقني

توصيف الأزمة بـ"الفساد وغياب الرؤية وعدم الاكتراث" هو إجابةٌ سياسية عن سؤال اقتصادي هيكلي. ولو طُبِّق هذا المعيار على المرحلة التي تولى فيها الوزير نفسه حقيبة المالية، لوجد نفسه في مواجهة الإشكالية ذاتها.

غياب البدائل الكمية

يُحكم الوزير سياجَ النقد على خصومه دون أن يُقدِّم أرقاماً تقديرية للتكلفة البديلة، ولا آليةً واضحة لتمويل تسقيف الأسعار، ولا سيناريو كمياً يُوضِّح الأثر المتوقع لسياسته المقترحة على العجز الميزاني. وهذا قصورٌ لا يُغتفر فيمن يتكئ على خبرته الاقتصادية العليا سنداً لادعاءاته.

خلاصة

يمتلك هذا النص قدرةً تحليلية حقيقية في تشخيص التناقضات، وهو ما يجعله مقروءاً ومثيراً للجدل في آنٍ واحد. غير أنه يفتقر إلى الحياد المنهجي، ويُعاني من انتقائية في الاستشهاد، ويسقط في فخ التبسيط السياسي حين يُقدِّم خياراتٍ بالغة التعقيد باعتبارها مسلَّماتٍ لا تحتاج إلى نقاش. وهذه مفارقةٌ لافتة في نص يدَّعي لنفسه الرصانة الأكاديمية والموضوعية الاقتصادية .

#منصة_الحقيقة_الإخبارية_تابعونا