إقالة ريئس الوزراء السنغالي.. قطيعة سياسية تعيد توازن بين الشرعية والاستقرار

سبت, 23/05/2026 - 13:34

اعتبر خبراء سياسيون سنغاليون أن الأزمة السياسية في البلاد عقب إقالة الرئيس باسيرو ديوماي فاي لرئيس الوزراء عثمان سونكو تمثل لحظة فاصلة.

وإذ تنهي الإقالة وضعاً سياسياً مستقراً منذ عام 2024، تتحول الشراكة القائمة على وحدة الهدف إلى مواجهة سياسية مفتوحة تعيد تعريف موازين السلطة داخل الدولة، وسط مخاوف من صراع ممتد.

وقال الباحث السنغالي في علم الاجتماع الاقتصادي، إبراهيما نيانغ، لـ"العين الإخبارية"، إن الأزمة السياسية الأخيرة في السنغال لا يمكن فصلها عن السياق الأوسع للتغيرات التي تشهدها الدولة منذ انتقال السلطة، حيث تدخل البلاد مرحلة إعادة تشكيل موازين القوى بين المؤسسات التنفيذية والفاعلين السياسيين الجدد.

واعتبر نيانغ أن ما يحدث في السنغال لا يُفهم فقط كخلاف سياسي عابر بين شخصيات بارزة، بل كجزء من عملية أعمق لإعادة تعريف طبيعة الحكم، خصوصاً بعد صعود قيادة سياسية جديدة تحمل خطاباً إصلاحياً قوياً، مشيراً إلى أن السنغال تواجه تحديات إدارة الدولة وتعقيدات التحالفات التي أوصلتها إلى السلطة.

توازن بين الشرعية والاستقرار

وأضاف أن التجربة السنغالية قامت تاريخياً على توازن دقيق بين الشرعية السياسية والاستقرار المؤسسي، وهو ما جعل البلاد تُصنف ضمن أكثر الديمقراطيات استقراراً في غرب أفريقيا. وأوضح أن هذا التوازن يصبح أكثر هشاشة عندما تنتقل الصراعات من مستوى التنافس الحزبي إلى داخل دوائر الحكم نفسها، وهو ما قد يفرض ضغطاً إضافياً على مؤسسات الدولة.

أما عن البعد الإقليمي، فأشار نيانغ إلى أن السنغال تتحرك داخل فضاء غرب أفريقي شديد الحساسية، خاصة مع تصاعد الأزمات الأمنية في دول الساحل.

استبعاد المخاطر الأمنية

وأكد الباحث السنغالي أن هذا السياق يجعل من الاستقرار الداخلي عنصراً حاسماً، ليس فقط في حماية النموذج السياسي السنغالي، بل أيضاً في الحفاظ على موقع البلاد كـ"منطقة عازلة" ضد امتداد الفوضى الإقليمية.

وشدد الباحث على أن الحديث عن مخاطر أمنية مباشرة يبقى مبالغاً فيه في المرحلة الحالية، موضحاً أن السنغال لا تواجه تهديداً إرهابياً داخلياً مباشراً، لكن أي تراجع في التماسك السياسي أو تزايد في الاستقطاب قد يخلق بيئة يستفيد منها بشكل غير مباشر الشبكات الإقليمية الناشطة في منطقة الساحل، سواء عبر التأثير الدعائي أو التغلغل في الهوامش الحدودية.

ورأى نيانغ أن التحدي الحقيقي أمام السنغال لا يتمثل في التهديدات الخارجية بقدر ما يتمثل في قدرة النخبة السياسية على إدارة خلافاتها داخل الإطار المؤسسي، بما يضمن استمرار الاستقرار الذي شكل لعقود أحد أبرز عناصر قوة الدولة في المنطقة.

بدوره، قال أليو ديوب بادو، عضو المكتب التنفيذي الوطني لحزب "الليبراليين والديمقراطيين/آند سوكالي"، لـ"العين الإخبارية"، إن المشهد السياسي في السنغال يعيش مرحلة دقيقة تتسم بتسارع التطورات داخل قمة السلطة، ما يعكس حجم التحولات التي يشهدها التوازن السياسي في البلاد بعد التغييرات الأخيرة في الحكومة.

وأضاف أن أي توتر داخل مؤسسات الحكم ينعكس بشكل مباشر على الحياة السياسية العامة وعلى مناخ الاستقرار، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية تتطلب تعزيز الحوار بين مختلف الفاعلين السياسيين من أجل تفادي مزيد من الاستقطاب.

واعتبر الخبير السياسي السنغالي أن قوة السنغال تكمن تقليدياً في قدرتها على إدارة خلافاتها السياسية داخل الأطر الدستورية والمؤسساتية، وهو ما يجعل الحفاظ على هذا المسار عنصراً أساسياً لضمان استمرار الاستقرار السياسي والاجتماعي.

قطيعة رسمية

وأقدم الرئيس باسيرو ديوماي فاي على إقالة رئيس وزرائه عثمان سونكو، منهياً بذلك تحالفاً سياسياً قاد إلى وصولهما إلى الحكم في مارس/آذار 2024، قبل أن يتطور تدريجياً إلى صراع معلن داخل مؤسسات الدولة، بحسب إذاعة "إر.إف.إي" الفرنسية.

وبحسب معطيات المشهد السياسي، فإن الخلافات بين الرجلين بدأت في الظهور بعد أشهر قليلة من توليهما السلطة، عندما انتقد سونكو بطء تنفيذ الإصلاحات الموعودة، وتحدث عن خلل في إدارة الملفات السياسية الحساسة.

قبل الانفجار

وأوضحت الإذاعة الفرنسية أن الأزمة تفاقمت لاحقاً مع قرارات سياسية أثارت جدلاً داخل المعسكر الحاكم، أبرزها إعادة تفعيل تحالفات سياسية سابقة وتعيين شخصيات قريبة من الرئيس في مواقع مؤثرة، ما اعتبره معسكر سونكو تجاوزاً لصلاحياته. ومع مرور الوقت، تحولت العلاقة إلى مواجهة سياسية مفتوحة، خاصة مع تزايد الحديث عن طموحات رئاسية مستقبلية لكل من الرئيس ورئيس وزرائه السابق.

القطيعة النهائية

وفي الأسابيع الأخيرة، صعد سونكو من لهجته منتقداً إدارة السلطة التنفيذية، ومطالباً بمزيد من الرقابة على الأموال العامة وصلاحيات الرئاسة، واصفاً بعض القرارات بأنها "غير صائبة"، ما شكل نقطة تحول حاسمة في العلاقة بين الطرفين. وفي المقابل، اتجه الرئيس فاي إلى خيار الإقالة، منهياً رسمياً شراكة سياسية كانت تُعتبر حتى وقت قريب نموذجاً لتحالف المعارضة الصاعد إلى الحكم.

تداعيات سياسية مفتوحة

أثار القرار ردود فعل واسعة داخل البلاد، حيث خرجت تجمعات في العاصمة داكار للتعبير عن دعمها لسونكو، بينما أعلن حزب "باستيف" استمراره في العمل السياسي والتحضير لمؤتمره المقبل. وفي الوقت الراهن، تُدار الحكومة بشكل مؤقت عبر تصريف الأعمال، في انتظار تعيين رئيس وزراء جديد، وسط حالة من الترقب السياسي بشأن مستقبل السلطة في السنغال