الذين يصرخون/ محمد يحظيه ابريد الليل

اثنين, 11/05/2026 - 20:52

على أي حال، "الكياسة هبة الطبيعة"، كما يقول باسكال. لقد كان الاعتقاد سائدا إلى وقت قريب، بأن أول واجبات رجل السياسة، معرفة ضرورة الاعتدال، وأن يرسم لنفسه حدودا فليس كل من وجد أمامه مكبرا للصوت، أو حاز مأمورية انتخابية وتمتع بحصانة قانونية، أو انعدم لديه الخوف من الإلقاء في السجن بضع سنين، كما كان يحدث في الفترات الماضية.. عليه أن يتفوه بكل مكبوتاته من الشتائم والسّباب. التهتّـك جعل البعض يصرخون في مكبرات الصوت، مع العلم أنها لم تخترع إلا لتغني عن ذلك الصراخ، إن الحجة، أي الفكرة التي تهدف إلى الإقناع، غنية عن الصراخ، لأنها موجهة للعقول لا إلى الآذان.

رجل الصراخ لا يوثق به.

من يقذف بكل ما يجيش في نفسه من جيد أو ردئ لم يخلق للسياسة.

فضلا عن ذلك هل كل ما ليس محرما هو مباح؟

كان الشيخ آمادو مؤسس امبراطورية ماسينا الفلاَّنية رجلا ورعا مستقيما، زاهدا. وكان يَسُوس دولته بواسطة مجلس علمي من ستين فقيها يحيطون به بصفة دائمة ويقررون كل شيء، كانوا متشددين حَرْفيين يقلدون نظام المدينة المنورة أيام الخلفاء الأولين. بالنسبة لهم الأمور بسيطة إما محرمة أو مباحة.

لقد قال رينيه كاييه المعروف في مجتمعنا بـ"ولد كيج" الذي جاب الساحل وعبر الصحراء، حوالي 1824-1828 "إن الفلان أشد تعصبا من البيضان".

للشيخ آمادو -إضافة إلى ما ذكرنا- ميزة أخرى هي الذكاء. كان يعرف أن الأمور ليست بالبساطة التي يراها الفقهاء. ولكي يفتح أعينهم أمر يوما بإعداد مائدة من اللحم أضاف إليها لحم الضب والجراد وحشرات أخرى. ودعاهم للأكل، فقالوا إنهم لا يأكلون مثل هذه اللحوم. فقال الشيخ إن الشرع لا يحرم أكلها !. فقالوا : نعلم ذلك ! فقال : "إذن هناك أشياء لا يحرمها الشرع ومع ذلك يتعين علينا تركها.. وهذا ماعلينا أخذه في الحسبان مستقبلا".

إن السياسة - من حيث هي رسالة - من أسمى وأجزل ما أنتجه البشر. صحيح أن الفلسفة تحوم فوقها، إلا أنهما تلتقيان عند مستوى معين. لأنه، "في السياسة، تتلخص الفلسفة" كما يقول اغرامشي. ويذهب ماركيز، أبعد من ذلك ويعكسه قائلا : " إن دور السياسة هو تحليل مضامين المفاهيم الفلسفية، للوصول إلى حقيقة غير مشوهة". إنها إنسانوية النهضة الأوروبية التي جاءت بهذا الربط الرائع، جاعلة من الإنسان قيمة عليا. أما الأيديولوجيا، فجاءت بعد ذلك بكثير، من أجل إضفاء التماسك والانسجام على المبادئ السياسية، وربط الوسائل بالغايات وجعلهما أكثر تطابقا.

كثيرا ما يوردون علم الاقتصاد إلى جانب السياسة. إن ذلك خال من المعنى. إن الاقتصاد هو خادم للنظام الاجتماعي السائد. القانون هو الآخر مجرد خادم بسيط لذلك النظام. أما السياسة، فهي ساحرة. مكانُها سماء المعارف، في تلك المجرة حيث الشعر وربما السحر، لا لقيمة الأخيرين وقدرهما، وإنما لاستقلاليتهما واستبدادهما.

أي جامعة تمنح شهادات الشعر والسحر، ستتعرض للسخرية والاستهزاء، علما بأن الشعر يُدْرَسُ ويُدَرَّسُ. ورغم ذلك يبقى من الأهمية بمكان، لمن أراد قرض الشعر، أن يصاحب نزار قباني أو أدونيس ردحا من الزمن، أو يعرف كيف يتآلف مع شعرهما، بدلا من حضور تلك الدروس.

السحر أيضا، يُدْرَسُ و يُدَرَّسُ. وقد أخذ ابن خلدون دروسا منه، وسطر شيئا من ذلك في كتاباته، دون أن يكون هو نفسه ساحرا.

إن الساحر المبتدئ يحتاج إلى كبير السحرة لإرشاده وحمايته من خطر المثل المأثور :أن "ينقلب السحر على الساحر"، أي أن يطلق أحداثا ليس هو سيد الموقف فيها ويمكن أن تودي به. فهاجسُ الخوف من مثل تلك المغامرات، ينبغي أن يكون حاضرا - أكثر من أي هاجس آخر- في أذهان الساسة الناشئين، فضلا عن الكُمَّل.

فرجل السياسة مشدود دائما بلجامين متينين : أولهما الاحتراز من المغامرة، التي هي ليست الجراءة، حسب اكلوزوفيتش الذي يرى أن "الجرأة القصوى، قد تتفق مع الحكمة القصوى أحيانا ".

أما اللجام الثاني، فهو التمسك بالأخلاقيات التي تحكم دائما السياسة الرفيعة.

لا أحد يشبه رجل السياسة عندما يتفانى في العمل، بقلبه وقالبه، كالذي يحاول استرجاع بيته الشخصي المغتصب من طرف الغير، لا يدَّخر وقتا ولا تعوقه أي منفعة شخصية، مضحيا بحياته الخاصة وأحيانا بحريته، فقط من أجل مصير أفضل لملايين البؤساء، الذين لا يعون أي حق لهم ولا يميزون، سحقهم الاحباط والاستسلام للقدر. يعرفون شيئا واحدا فقط هو : أن هناك ظلما نازلا من السماء لا مرد له، تنفذه بكل دقة ومثابرة أيادي بشرية. هذه قمة في الفضل. لحد الآن لا يوجد أعلى منها في سلم القيم الإنسانية، إنها أرفع حتى من محكوم بالإعدام يقال له أنت حر طليق.

شيء مثل هذا لا يداس بالأقدام إلا في المجتمعات التي تحتقر الفلسفة وتنكر قيمة الإنسان.

إن مجالا كهذا يتطلب كمّا من المؤهلات الذهنية، كرجاحة العقل وعمق التفكير ونعومة التصرفات، وكثيرا أيضا من القيم القلبية كالثقة في الفطرة الطيبة للإنسان وقدرته على التطور نحو الأحسن، إضافة إلى احترام الغير والزهد والتواضع ... فهل يمكن لمثل هذا المجال أن يتحول، بين أيدينا، إلى بهلوانيات تنتج رجالا بلا قيم؟. يعتقد توكفيل أنه في بعض البلدان التي احترقت بنيتها الاجتماعية "تسقط الطبقة السياسية في الهمجية في الوقت الذي يجنح فيه المجتمع المدني نحو التنوُّع".

حتى في وقت الحرب، لا يُعفى الرجال أنفسَهم من التقيد بقيمهم الرفيعة، وأساسِ وجودِهم الذي جعلهم ما هم عليه - بعبارة أخرى- منحهم شرعيتهم. إننا نتخذ مواقف ونقْدم على تصرفات، لقناعتنا بأن الآخرين يشرعون لنا ذلك. وإذا كان هذا المكسب الضمني غير موجود، أو لم يعد موجودا، أو تضرر بتصرفات قادحة، فنحن فاقدو الشرعية. ولسنا بحاجة هنا إلى اتخاذ قرار بالانسحاب من اللعبة، لأن الانسحاب يتسلل من تلقاء نفسه إلى الأذهان، وذلك أوضح وأبلغ من الإعلان الشكلي الصارخ.