
يظن البعض أن "الموت" هو النهاية، لكنني أراه اليوم هو البوابة الوحيدة نحو حياة كريمة لم تلوثها المذلة ولم تخدشها نظرات الشفقة. لقد عشت عمري وقلمي شامخاً كالنخل، واليوم، وأنا أعاني من فقدان البصر وأوجاع الجسد، أعلنها صريحة: لن أستجدي أحداً، ولن يسيل لعابي خلف أبواب الموائد التي تنتظر انكساري.
عن أي وطنية يتحدثون، وأنا لا أملك في هذا الوطن سوى بطاقة إعاقة ذابلة، خالية من أي تأمين صحي أو كرامة؟ إن وطناً لا يوفر الدواء لأبنائه، بل قد يمنحهم الداء بمرارة خذلانه، هو وطن يدفع الأحرار دفعاً نحو اختيار الرحيل. فكيف يطلبون الولاء ممن تركه بلده وحيداً يواجه عماه وأوجاعه بلا سند؟
إن هذا القلم السيف الذي بيدي، وبصفتي شاعراً وكاتباً، كان بإمكاني أن أطوعه بكلمة واحدة؛ فأرفع بها من أشاء في سموات المديح طمعاً في غنىً زائل، أو أهوي بها بصاحب مالٍ وجاه في قاع الهجاء والمثالب، لكني أربأ بقلمي وبنفسي عن ذلك. لن أبيع حرفي ولن ألوث تاريخي، فالعزيمة التي لم تنكسر أمام العماء لن تنحني أمام بريق المال.
أستحضر هنا ذكرى ذلك المعلم الشهم، رفيقي في زمن مضى، الذي مات صامتاً في منزله بجوعٍ كافر وضنىً شديد، وأبى أن يطرق باب جار أو يسأل أحداً فضلاً. وعندما كشفت جثته شهادة الطبيب، كانت الحقيقة المرة أنها "موتٌ من الجوع"، لكنها في ميزان الكرامة كانت شهادة فخر بطلها إنسان آثر الرحيل على مد اليد.
إنني أسير اليوم على ذات الدرب؛ فإن كان المجتمع قد عميت بصيرته عن تقدير تضحياتنا، فليعلم الجميع أنني رهين مآسيّ الشريفة، ولست رهين عطاياكم. سأموت بعزتي، ولن يرى أحدٌ دمعة استعطاف في عيني، فالموت في كنف الأنفة هو يقيناً الحياة الأفضل وشعاري على أنه هو الحياة الأبدية.
بقلم: يحياوي محمد الأمين ولد يحيى




