
بناء على التوجيهات الداعية لترشيد المحروقات، وتماشيا مع تلك الدعوات التي بشرنا بها الوزير والرئيس حول إعداد تحضير طقوس الشاي بالماء البارد توفيرا للطاقة، فقد قررنا نحن أيضا في وادي المرايا التجاوب مع هذه التعليمات بإلغاء الماء تماما من هذه العملية؛ وعليه عثرنا على الاكتشاف الأحدث الذي يتجاوز حتى ترف الماء البارد والغاز والنار؛ إنه طقس حركي لا يعرف مجالس الشاي التقليدية، ولا يحتاج لقطرة محروقات واحدة، ولا لقطرة ماء.
في طوشكاون؛ تلك المدينة التي أريد لها أن تلبس ثوب الحداثة حتى غدت أشبه بمدينة فضائية تستهلك طاقة الهيدروجين الأخضر، صار لزاما علينا أن نتخلص من أعباء الطاقة التقليدية الملوثة. يكفي المرء اليوم، وهو يضرب الأرض بقدميه ويشق طريقه ككائن فضائي، أن يحمل عدته في جيبه؛ باعتبارها أسرع وأسهل طريقة لتحضير الشاي الحداثي؛ يمد يده في عفوية ليغرف سباسب من ورق الشاي الأخضر، يحك الورق في كفه بحركة رشيقة ثم يسفه سفا مباشرا إلى فمه كوقود بديل، ثم يتبعها بسفة من السكر السحيق، ويمضغ الجميع مضغا أو يمصه مصا، محولا أضراسه إلى مطحنة بيولوجية في ترشيد مطلق للطاقة يليق بحداثة المدن الفضائية.
فلا بد إذن من كلمة شكر واعتذار حارة لشاي الفحم؛ نعتذر له لأننا هجرناه قسرا بحجة أنه يلوث البيئة العصرية داخل طوشكاون الفضائية، تلك المدينة التي يراد لها أن تبدو عصرية في عيون المسؤولين ولو مضغ أهلها ريقهم جفافا. نشكر لشاي الفحم عهودا من الدفء، قبل أن تقرر العصرنة الزائفة إطفاءه لصالح ابتكارنا الذهبي المعتمد على طاقة الوقود النظيفة المستخلصة من مسام الأضراس.
وفي الختام، هي دعوة مفتوحة وتطبيقية تبدأ من القمة؛ فليتخيل الشعب في طوشكاون الاجتماع الوزاري القادم، والوزير أو الرئيس يمر بين صفوف الوزراء ليقسم عليهم مؤونة الجيوب الفضائية: سفة من السكر هنا، وسباسب ورق هناك، ثم وبطريقة مهيبة تليق بفخامة المنصب، يقدم للوزراء هيدروجين النعناع الأخضر بأوراقه الكبيرة العريضة؛ ليمضغوها في خليط يجمع بين المذاق وبقايا اللفافة الورقية، في مشهد مهيب يليق بالوزراء.
ثم، وفي ذروة الانضباط الحداثي، يتبادل الوزراء بينهم الزيافة (ذلك الإناء الذي كان يستخدم لغسل الكؤوس وتطهير أدوات الشاي) لتتحول في هذا المشهد إلى سلة مهملات كبرى تليق بكل ما هو مزيف؛ يدفن فيها التفل والنفايات المتبقية من عملية المص والمضغ، ومعها تمزق وتلقى الملفات الزائفة، لتكتمل فصول الحداثة تحت شعار الهيدروجين الأخضر وبلا أثر ملوث، فوداعا لقيام الشاي وطقوسه وكؤوسه ولالالالال للبراد أيضا، لأن كل فم أصبح برادا لصاحبه.
بقلم: يحياوي محمد الأمين ولد يحيى




