وادي المرايا ج 7: جمهورية إيراتون في بلاد مليون ناهب

سبت, 17/01/2026 - 11:29

​في إطار بحثنا المستمر عن تاريخ جمهورية إيراتون واكتشافي مكان توشكاون في وادي المرايا وتقصي الأطباق الطائرة.

​بينما كنتُ أعبرُ فيافي "المنكبِ القَصيِّ"، حيثُ تسحقُ الرمالُ بقايا عظامٍ نخرة، تعثرتُ في أديمِ برزاخهِ بقدورٍ صدئةٍ منكفئةٍ على جمرٍ قد استحال رماداً منذ دهر. وهناك، في فِناءِ قصرٍ مهدومٍ لم يَبقَ منه إلا أطلالُ أعمدةٍ شاهقة، التقيتُ به لأولِ مرة؛ شيخاً هرِماً يتدثرُ ببردتهِ الممزقة، وكأنه نبتَ من شقوقِ الأرضِ ذاتها.

​نظرَ إليَّ بعينينِ غائرتينِ تفيضانِ انكساراً، وبدأ يقصُّ عليَّ ما لم تخطّهُ أقلامُ المؤرخين، قال بصوتٍ كأنه حفيفُ الريحِ في الطلح:

​"يا بني، لقد كانت هذه الأرضُ تُعرفُ في غابر الأزمان بـ بلادِ المليونِ ناهب؛ هكذا سُمِّيَت يومَ أن صار النهبُ فيها شريعةً وأدباً، والتملصُ فنّاً. كان لكلِّ أميرٍ حاشيةٌ تتقنُ لغةَ 'أشرعةِ الأموال'، ينهبون الذهبَ والفضةَ ثم يبعثونَ بها في سفنٍ خلفَ البحار، بينما يتركون الرعيةَ تقتاتُ على الوعودِ والديون.

​يا بني، إنها عشريةُ قرونِ النهب؛ وكل قائدٍ منهم يأتي ولا يترك وراءه إلا خراباً يباباً. لقد عاصرتُ ملوكاً كُثراً، لكنَّ آخرهم كان 'صاحبَ الصمتِ والمكائد'؛ فقد زعمَ أنه جاء ليقيدَ 'المغوارَ' الذي سبقه، فحبسهُ في قفصٍ من حديد، ليُشغلَ الناسَ بضجيجِ المحاكمةِ عن صريرِ صناديقِ الخراجِ وهي تُسرقُ تحتَ جنحِ الظلام. وبقي معهُ في ديوانه ذاتُ الوجوهِ القديمة، وذاتُ 'مؤذني الزيف' في بلاط 'الصحف الصفراء'، الذين صوّروا لنا الخرابَ عماراً، والهروبَ حكمةً، حيث أسسوا لنا دولةً تعكس خطاياهم (وادي المرايا في جمهورية إيراتون الجديدة).

 

​يا بني، إنَّ الحقيقةَ في هذه البلادِ ضاعت كما ضاعت كنوزُها؛ فقد ركبوا أشرعتَهم ورحلوا، وتركوا لنا بلداً مرهوناً لسماسرةِ الآفاق، ولم يَبقَ لي أنا إلا أن أحرسَ هذا العدم، بعدما حولوني إلى "رئيسٍ للفقراء" يحرسُ هذه الأنقاض، وسرقوا أموالي التي كنتُ أُخفيها في قبو داري وذهبوا ليؤسسوا جمهورية إيراتون السفلى.

 

​وفجأةً، انتفضَ الشيخُ هلعاً، وأمسكَ بتلابيبي وهو يهمسُ بفزعٍ شديد: "توارَ عن الأنظار.. هيا اهرب قبل أن يُدركك هؤلاء القوم؛ فلعلهم يعودون مرةً أخرى لينهبوا ما بقي من هذه الرمال، فقد اعتادوا ألّا يتركوا خلفهم حتى الأثر!".

 

​ثم غابَ في جوفِ الركام، مخلفاً وراءه صمتاً ثقيلاً تذروه الرياحُ فوق بقايا "جمهورية بلاد المليون ناهب في إيراتون".

 

​بقلم: يحياوي محمد الأمين ولد يحيى