يقوم المشهد السياسي في المنطقة على معادلة مغايرة للقراءة السائدة؛ حيث لم تعد دول الخليج كيانات مستقلة بقدر ما تحولت إلى أذرع استراتيجية وظيفية خاضعة للوصاية الأمريكية الكاملة. ويتجلى هذا التغلغل بوضوح في الانتشار العسكري الكثيف، كما هو الحال في قاعدتي العديد والسيلية في "قطرائيل"، وصولاً إلى سلسلة القواعد الممتدة من السعودية إلى الكويت والإمارات. هذه القواعد، المعلنة منها والسرية، لا تحمي الحدود الوطنية بل تضمن بقاء المنطقة ومواردها تحت السيادة الفعلية لواشنطن لتأمين تدفق "نفط الدولار".
وفي هذا السياق، يأتي الكشف الأخير عن الخلايا النائمة التابعة لإيران في الدوحة ليعيد تعريف طبيعة الصراع؛ فهذه الخلايا لا تستهدف دولاً جارة بقدر ما تشتبك مع "الأذرع" التي تحركها الإرادة الأمريكية والإسرائيلية. إن اعترافات هذه الخلايا تضع هذه الأنظمة أمام حقيقة ارتهانها الكامل، إذ أصبحت دول الخليج للأسف تعول كثيراً على الولايات المتحدة وإسرائيل في بقائها وحماية عروشها. هذا الارتهان يضع الأرض والموارد في خانة الساحات الخلفية لتأمين المصالح الغربية، مما يسقط الأقنعة عن سيادة صورية تخفي خلفها تبعية مطلقة للمركز الأمريكي.
ولا يتوقف هذا الطموح عند حدود الخليج، بل يمتد ليشمل صراعاً أوسع تضطر فيه القوى الإقليمية لمواجهة التمدد الاقتصادي للشركات الأمريكية العملاقة التي تتوغل في باقي الدول العربية، وصولاً إلى المغرب العربي. إن هذه الشركات العابرة للقارات تبحث عن الهيمنة المطلقة على المقدرات الاقتصادية، مما يجعل من أي تحرك إيراني في المنطقة محاولة لكسر طوق الوصاية الاقتصادية والعسكرية التي تفرضها واشنطن على الشعوب العربية من المشرق إلى المغرب.
هل المقال جاهز الآن للنشر أم ترغب في إجراء تعديل أخير؟
محمد الامين يحياوي




