تستيقظ العاصمة الموريتانية نواكشوط ومدن الداخل على إيقاع يومي مكرر من المعاناة الصامتة؛ حيث تتداخل أزمات الخدمات الأساسية لتصنع واقعاً معيشياً معقداً يثقل كاهل المواطن البسيط. لا يتعلق الأمر بأزمات عابرة أو طارئة، بل بـ اختلالات هيكلية عميقة تحاصرت فيها أبسط مقومات العيش الكريم، لتتحول الحياة اليومية في المدن الموريتانية إلى اختبار قاسي للصبر والقدرة على التحمل.
يسلط هذا التحقيق الاستقصائي الضوء على العصب الحساس لحياة المواطن، متتبعا جذور وتداعيات أزمات القمامة، الطرق المتهالكة، غلاء المعيشة، انقطاع الكهرباء والماء، أزمة التشغيل، ضعف الرواتب، وهشاشة المنظومة الصحية.
1. محاور الأزمة: عندما تصبح الخدمة العامة ترفاً
أ. طوق القمامة المانع: عاصمة تئن تحت وطأة النفايات
تنتشر النفايات الصلبة والأكياس البلاستيكية في شوارع نواكشوط وأسواق مدن الداخل كالأحياء الشعبية (مثل تفرغ زينة المتاخمة للفقر، الميناء، دار النعيم، وتوجنين)، لتشكل مشهداً بصرياً وبيئياً كارثياً. وعن غياب استراتيجية مستدامة لجمع النفايات، تتحول الساحات العمومية إلى مكبات عشوائية، مما ينذر بكوارث صحية وبيئية جراء انبعاث الروائح وتكاثر الحشرات والقوارض، وسط غياب شبه تام لآليات التدوير والمعالجة الحديثة.
ب. بنية تحتية متهالكة: طرق تحصد الأرواح وتعرقل التنمية
تعاني شبكة الطرق الحضرية في نواكشوط ومدن الداخل من اهتراء شبه كامل؛ فحفر الشوارع، وغياب الإنارة العمومية، وضعف التصريف الصحي (الذي يغرق المدينة مع أبسط زخة مطر) تتحول جميعها إلى عوائق يومية. هذه الطرق المتهالكة لا تعطل حركة المرور وحسب، بل تتسبب في خسائر مادية فادحة لأصحاب السيارات وتزيد من حوادث السير المميتة، فضلاً عن كونها عائقاً أمام أي جاذبية استثمارية أو عمرانية حقيقية.
ج. أزمة العطش والظلام: قطاعان حيويان في مهب العجز
على الرغم من الوعود المتكررة والمشاريع المتعاقبة، تظل أزمتا الماء والكهرباء شبحاً يلاحق السكان.
الكهرباء: تعيش الأحياء السكنية على وقع انقطاعات متكررة ومفاجئة، تؤدي أحياناً إلى تلف الأجهزة المنزلية وتوقف الأنشطة التجارية الصغيرة التي تعتمد كلياً على التيار الكهربائي.
الماء: تعاني أجزاء واسعة من نواكشوط ومدن الداخل من شح حاد في مياه الشرب، حيث يضطر السكان للاعتماد على الصهاريج الخاصة بأسعار باهظة تلتهم الجزء الأكبر من الدخل الشهري المحدود، إن وجد.
د. جحيم غلاء المعيشة وشغف العيش: أرقام لا تلتقي مع الواقع
تتصاعد أسعار المواد الغذائية الأساسية (الأرز، السكر، الزيت، اللحوم، والخضروات) بشكل مطرد، في وقت تركد فيه القدرة الشرائية للمواطن. "شغف العيش" أصبح شعاراً يومياً لأرباب العابثين بالأمل؛ حيث يحارب الأفراد لتأمين قوت يومهم في ظل معادلة اقتصادية قاسية: أسعار عالمية ومحلية مرتفعة، ومداخيل ثابتة أو منعدمة.
هـ. التشغيل وضعف الرواتب: بطالة مقنعة وأجور لا تسد رمقاً
تتفاقم أزمة البطالة في صفوف حاملي الشهادات والشباب، لتفرز حالة من اليحب والاحباط تدفع الكثيرين نحو الهجرة أو البطالة المقنعة. أما العاملون في القطاعين العام والخاص، فيصطدمون بواقع ضعف الرواتب التي لم تعد تتناسب قط مع معدلات التضخم وغلاء المعيشة. أجور زهيدة تجعل الموظف يعيش في دوامة دائمة من المديونية والعجز المالي مع منتصف كل شهر.
و. هشاشة المنظومة الصحية: العلاج كحلم بعيد المنال
تتوج هذه السلة من الأزمات بهشاشة القطاع الصحي؛ فالمستشفيات العمومية تعاني من نقص حاد في المعدات الطبية الحديثة، وغياب الأدوية الأساسية ذات الجودة، فضلاً عن الاكتظاظ وضعف الكوادر المتخصصة في بعض المناطق. هذا الوضع يجبر المرضى على اللجوء إلى القطاع الخاص الباهظ التكاليف، أو السفر إلى الخارج لمن استطاع إليه سبيلا، بينما يواجه الفقراء مصيرهم المجهول على أسرّة الإهمال.
2. الجذور الهيكلية: لماذا تتكرر الأزمات؟
يرى الخبراء والمحللون الاقتصاديون والاجتماعيون أن هذه الأزمات ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج لعدة عوامل هيكلية متراكمة، من أبرزها:
ضعف التخطيط العمراني: النمو المتسارع لنواكشوط وغياب مواكبة البنى التحتية للتوسع الديموغرافي.
قصور آليات الرقابة والمحاسبة: ضعف الصيانة الدورية للمرافق العمومية وغياب المتابعة للمشاريع التنموية.
الاختلال في توزيع الثروات والفرص: تركز الأنشطة الاقتصادية والخدمات الكبرى في العاصمة مع تهميش نسبي لمدن الداخل.
ضعف حوكمة الإدارة العمومية: بيروقراطية مفرطة وضعف في كفاءة التسيير واستغلال الموارد المتاحة.
3. ختام وخلاصات
إن واقع المدن الموريتانية، وفي طليعتها نواكشوط، يتطلب اليوم وقفة تأمل وجسرا حقيقياً بين المواطن وصانع القرار. إن إصلاح هذه الاختلالات الهيكلية لم يعد ترفاً فكرياً ولا مطلباً فئوياً، بل هو شرط أساسي لتحقيق التنمية المستدامة، وكرامة الإنسان الموريتاني الذي ينتظر تحويل الوعود التنموية إلى واقع ملموس يلامس تفاصيل حياته اليومية.




