
يعيش المشهد الإعلامي والثقافي في موريتانيا على وقع تناقضات حادة ومفارقات موجعة، تكشف عن خلل بنيوي في توجيه بوصلة الدعم والاهتمام. فبينما تُضخ أموال طائلة وتمويلات سخية خارج الحدود لدعم "مدونين" وصناع محتوى يمارسون الابتزاز أو يغردون خارج سرب المصلحة الوطنية،
تعاني المؤسسات الصحفية المحلية الجادة وقطاع الإنتاج الثقافي —سيما المسرح— من شح المدد المالي، وانعدام البنى التحتية، وغياب أبسط مقومات الصمود والاستمرار. هذا الواقع يطرح أسئلة ملحة حول أولويات التنمية الفكرية والإعلامية، ومعايير توجيه المال العام والخاص في بلد يبحث عن بناء رأي عام واعٍ ومستنير.
1. أزمة الصحافة الوطنية: نزيف مادي وتهميش للمهنية الجادة
تُجسد أغلب المؤسسات الصحفية المحلية (المستقلة بشكل خاص) العنوان الأبرز لأزمة البقاء في وجه التحديات الاقتصادية. فرغم دورها التاريخي والوطني في تنوير الرأي العام، تعيش الصحافة الوطنية تحت رحمة عثرات هيكلية عميقة، أبرزها:
شح الموارد المالية وغياب سوق الإعلانات: غياب سوق إعلاني منظم وحقيقي يوزع عوائد الإشهار بشكل عادل ومنصف، يجعل الصحافة رهينة لدعم شحيح أو استجداء إعلانات موسمية تفتقر للاستدامة.
الظروف المعيشية القاسية للصحفيين: ينعكس هذا الواقع المالي المتردي مباشرة على وضعية الصحفيين، الذين يواجهون ظروفًا اقتصادية صعبة تضعف دافعيتهم للإبداع والاستقصاء، وتفتح الباب أمام هشاشة مهنية قد تستغلها قوى المال المشبوه.
مفارقة التمويل المعاكس: في الوقت الذي تعاني فيه هذه المؤسسات من التهميش، تُوجه ميزانيات ضخمة لأسماء وهمية أو مؤثرين مقيمين في الخارج؛ مما يشكل انقلابًا على معايير تشجيع الإعلام المهني الرصين.
2. هجرة أهل الفن والمسرح: عندما يُحارب الإبداع بصمت الجفاف التمويلي
على الصعيد الثقافي، لا يقل قطاع المسرح والإنتاج الفني مأساوية عن نظيره الإعلامي. فالمسرح الموريتاني —الذي وُلد طموحًا رغم شح الإمكانيات— يواجه اليوم خطر الاندثار الفعلي للأسباب التالية:
غياب البنية التحتية الثقافية: تفتقر المدن الموريتانية (وفي مقدمتها العاصمة) إلى قاعات عرض مسرحية مجهزة، أو مسارح وطنية تليق بحجم الطموحات الفنية للشباب والمبدعين.
شح الدعم الحكومي المستدام: يفتقر القطاع إلى سياسات دعم حقيقية ومستدامة تمول الإنتاج المسرحي والمهرجانات الثقافية بشكل دوري، مما يجعل الفنان رهينة لمزاجية التمويلات الفردية المؤقتة.
نزيف الهجرة الفنية: أدى هذا الجفاف المؤسسي والمادي إلى اضطرار العديد من المخرجين والممثلين والكتّاب المسرحيين إلى البحث عن آفاق بديلة، إما بترك الفن نهائياً لتأمين لقمة العيش، أو الهجرة نحو فضاءات خارجية تقدر الكلمة والفن، محرِمةً بذلك المشهد المحلي من طاقات لا تعوض.
3. جدل تمويل "مدوني الشتات": أين أولويات الدولة والرأي العام؟
يثير الإنفاق السخي على الحملات الدعائية وصناع المحتوى في الخارج نقاشًا مجتمعيًا محتدمًا حول أولويات الإنفاق. فالشارع والنخب الثقافية يقعون تحت صدمة رؤية أموال طائلة تُهدر لتمويل أصوات وافدة من خلف الشاشات لتهشيم الرموز أو توجيه الرأي العام وفق أجندات ضيقة، بينما تُترك المؤسسات الإعلامية الرصينة ودور الثقافة والمسارح تتخبط في ديونها وعجزها. إن المنطق السليم يفرض أن بناء رأي عام واعٍ ومستنير يبدأ من الداخل: عبر تحصين الصحفي، وتمكين الفنان، وتوفير بيئة حاضنة للثقافة الوطنية.
خاتمة: نحو ثورة تصحيح في بوصلة الدعم
إن معالجة إشكالية المشهد الإعلامي والثقافي في موريتانيا لم تعد ترفًا فكريًا، بل هي ضرورة أمنية ووطنية. يتطلب الأمر عاجلاً إعادة ترتيب الأولويات، عبر سن قوانين منظمة لسوق الإعلان والإشهار تخدم الصحافة الجادة، وتخصيص ميزانيات حقيقية ومستدامة للنهوض بقطاع المسرح والفنون، وتجفيف منابع الصرف على "سماسرة الفضاء الرقمي". فالدولة القوية تُبنى بإعلام وطني مهني ومسرح حي ينبض بهموم المجتمع، لا بشاشات الافتراض المدفوعة بالابتزاز.




