
تمر بنا الأيام حبلى بالتحولات، حتى تأتي اللحظة التي تتقاطع فيها أقدارنا مع أرصفة الوداع، وحين يكون المودع هو "الياس محمد"، وتكون المحطة هي "الراظي" – تلك البقعة التي كانت للروح وطناً وللقلب مهاداً – فإن الكلمات تعجز، والدموع وحدها تصير ترجماناً أميناً لما يختلج في الصدور.
ها أنذا أقف اليوم على حافة الوداع، ألملم عروق عمري التي غرستُها في هذا التراب الطاهر، مستعداً لشد الرحال عن مسقط رأسي، عن تلك الأرض التي ما كانت يوماً مجرد جغرافيا نرتادها، بل كانت المحضن الأول الذي تكوّنت فيه ملامح روحي، وعليها ترعرعت طفولتي، وبأهوائها العذبة تشكلت هويتي الإنسانية والدينية.
في "الراظي"، لم أكن أتعلم كيف أمشي فحسب، بل كيف أعيش؛ فقد تلقنْتُ على أيدي طيبتها ونقاء سمائها مكارم الأخلاق والفضائل الدينية التي صارت لي بوصلة ومناراً في غياهب الحياة. كانت القيم الفاضلة هناك تُستنشق مع نسيم الصباح، وتجري في دموع الأمهات ودعوات الآباء، حتى غدت جزءاً لا يتجزأ من تكويني النفسي والأخلاقي.
ولا أملك اليوم وأنا أغادر إلا أن أستحضر ذاك الفيض الغامر من الحب والحنان والدفء، الذي لم يكن ينبع إلا من قلوب صافية كالسماء، وعواطف صادقة لا تعرف الزيف ولا التكلف. كم من مرة غمرني دفء مجالسها فحسبني في أمن من قسوة العالم، وكم تلمّستُ فيها من طمأنينة كانت تداوي جراح الروتين وأثقال الأيام. لقد كانت قلوب أهلي هناك أوسع من الأوطان، وأصفى من قطرات الندى على أوراق الشجر في فجر شتوي هادئ.
اليوم، حين تطوي خطواتي أشرعة الإقامة في هذا الحصن الدافئ، أعلم تمام العلم أن الأجساد وحدها هي التي ترتحل؛ أما القلوب فتبقى مشدودة إلى تلك السكك، إلى ذلك الظل العليل ، وإلى أريج الماضي الذي لا ينسى. أودعكِ يا "الراظي" وقلبي يترك خلفه نبضاً، ولكنه يأخذ معه زاداً لا يفنى من القيم والأخلاق والوفاء، عهداً أقطع على نفسي أن أصونه أينما حللت وارتحلت. فسلامٌ عليكِ في الذاكرة، وسلامٌ على أناسٍ ما عرفتُ منهم إلا صدق المودة ونقاء السريرة، وإن أبعدتني عنكِ دروب الأقدار




