الجدل السياسي والمجتمعي حول تقرير المفتشية العامة للدولة في موريتانيا 

ثلاثاء, 18/08/2026 - 15:28

أثار نشر المفتشية العامة للدولة لتقريرها السنوي لأنشطة عامي 2024 و2025 زلزالاً سياسياً ونقاشاً واسعاً في الشارع الموريتاني. فالتقرير الذي كشف عن حجم إجمالي للاختلالات المالية بلغ 2.37 مليار أوقية جديدة (ممثلاً نحو 7% من إجمالي المبالغ الخاضعة للتدقيق التي تجاوزت 32 مليار أوقية) بات محط استقطاب حاد وتجاذبات عميقة بين الأغلبية الحاكمة وقوى المعارضة والمجتمع المدني.  أولاً: قراءة في محاور الجدل ومواقف الأطراف السياسية  1. قوى المعارضة ومنظمات المجتمع المدني: اتهامات بـ "محدودية الردع" وغياب الشفافية الكاملة  ترى الأحزاب السياسية المعارضة وبعض المنصات الحقوقية أن التقرير، على الرغم من زخمه الرقمي، يعكس عمق أزمة الحكامة وسوء التسيير المستشري في مفاصل الإدارة. وتتركز انتقادات هذا الطرف في عدة نقاط جوهرية:  تواضع الإحالات القضائية: انتقدت المعارضة تباين الهوة بين حجم الأموال المهدرة والاختلالات الضخمة المقدرة بمليارات الأوقيات، وبين ضآلة عدد الملفات المحالة فعلياً إلى الجهات القضائية ومحكمة الحسابات (إذ أشار التقرير في ملخصه العام إلى بضع إحالات بينما أثارت متابعات صحفية وتقارير رقابية غموضاً حول غياب تفاصيل أو تضارب في عدد الملفات الفعلية المرفوعة للقضاء).  غياب الأسماء وتدوير المسؤولين: رفعت قوى سياسية شعارات تطالب بضرورة الكشف العلني عن أسماء المتورطين والجهات المقصرة بالاسم، محذرة من مغبة الاكتفاء بإجراءات إدارية شكلية تسهم في "تدوير المفسدين" وإسناد وظائف جديدة لهم بدلاً من محاكمتهم.  عقم التوصيات غير المطبقة: لفت منتقدون الانتباه إلى ما أورده التقرير نفسه من أن نسبة معتبرة من توصيات المفتشية (تصل إلى نحو 34%) لم تُنفذ أو ظلت حبيسة الأدراج، مما يفرغ الرقابة من محتواها الرادع.  2. الأغلبية الحاكمة والدفاع الحكومي: تكريس للشفافية وتفعيل تدريجي لمنظومة الردع  في المقابل، يتبنى أنصار الحكومة والموالاة مقاربة مغايرة تعتبر نشر التقرير للرأي العام وتفصيله على الموقع الرسمي للمفتشية خطوة غير مسبوقة تؤكد الإرادة السياسية الصادقة في تكريس مبدأ الشفافية، ومحاربة الفساد، وقطع دابر الإفلات من العقاب. ويرتكز دفاعهم على المعطيات التالية:  استرجاع الأموال العمومية: يشيد المؤيدون بالنجاح المالي للآليات الرقابية والوقائية، حيث تمكنت إجراءات الاسترجاع والتصحيح من معالجة مبالغ مالية تجاوزت 739 مليون أوقية جديدة (عبر السداد النقدي، والاسترجاع العيني، والاقتطاع من المستحقات)، فضلاً عن تحقيق أثر مالي وقائي يقارب 1.82 مليار أوقية بفضل ترشيد النفقات وتعليق الصفقات غير المبررة.  الإصلاح المؤسسي: يُنظر إلى هذه التقارير باعتبارها أدوات تصحيحية وليست مجرد منصات للعقاب، إذ ساهمت في تقويم مسار قطاعات حيوية، وتصحيح العقد الإداري والصفقات المعيبة، وتفعيل الرقابة البعدية والقبلية.  ثانياً: بؤر الاختلال المالي: أين يتركز الخلل؟  كشف تحليل البيانات الواردة في التقرير عن تركز المخاطر المالية والاختلالات في قطاعات محددة أثارت حفيظة المراقبين:  الطلبية العمومية والصفقات: تصدرت المشهد بنصيب الأسد، حيث بلغت قيمة الاختلالات فيها 1.419 مليار أوقية جديدة (ما يناهز 60% من إجمالي الأثر المالي للاختلالات)، مسجلة ممارسات كارثية تمثلت في غياب المنافسة الحقيقية، واللجوء المتكرر وغير المبرر للتراضي المباشر، وتجزئة النفقات للتحايل على مساطر الرقابة، إضافة إلى قضايا شهيرة تتعلق بصفقات مشبوهة (مثل ملف الطاولات في قطاع التعليم وغيره من الصفقات بقطاعات المعادن والبنى التحتية).  تحصيل الإيرادات والالتزامات الضريبية: جاءت في المرتبة الثانية والثالثة بأثر مالي معتبر نتج عن ضعف التحصيل، وغياب الرقابة على العوائد، ومنح إعفاءات وتسهيلات دون سند قانوني واضح.  الحكامة والرقابة الداخلية: عانت القطاعات المستهدفة من قصور بنيوي في أنظمة المراقبة الداخلية وتتبع العمليات المالية.  الخلاصة  يضع هذا التقرير المشهد السياسي الموريتاني أمام مفترق طرق حاسم؛ فبينما ترى فيه الحكومة دليلاً على نجاعة آليات الرقابة الذاتية للدولة ومؤسساتها، تعتبره المعارضة وثيقة إدانة صارخة تكشف عمق الهدر المالي. ويبقى المحك الأساسي بالنسبة للرأي العام هو مدى قدرة القضاء على متابعة الملفات المحالة بحيادية وصرامة، وتحويل الأرقام الورقية إلى أحكام رادعة تعيد الأموال المنهوبة إلى خزينة الدولة