
مهرجان التمور في آطار ليس مجرد تظاهرة زراعية، هو عيد الواحات. آطار عاصمة آدرار، عاصمة النخلة في موريتانيا، ومنها انطلق المهرجان الدولي للتمور الموريتانية قبل أن يكبر ويصبح حدثا وطنيا متنقلا.
1- البداية من آطار
استضافت مدينة أطار الموريتانية المهرجان الدولي الثاني للتمور الموريتانية بدعم من الشيخ منصور بن زايد آل نهيان وتنظيم الأمانة العامة لجائزة خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي بالتعاون مع وزارة الزراعة الموريتانية.
وكان اختيار آطار رمزيا واقتصاديا: آدرار تحتوي على أكبر كثافة واحات في البلاد، وأصنافها "آحمر، تنترقل، سكاني، سلمدينة، المهبولة" هي أساس التراث الغذائي الموريتاني.
ومنذ ذلك الحين أصبح المهرجان هو المنصة الرسمية لتثمين التمور الموريتانية
لماذا آطار؟
لا يمكن أن تتحدث عن التمر في موريتانيا دون أن تبدأ من آطار. عاصمة آدرار ليست مجرد مدينة، هي ذاكرة النخلة الموريتانية. أكثر من 2 مليون نخلة، وأكثر من 200 واحة بين شنقيط وأوجفت ووادان وتيارت، وموسم "الگيطنة" الذي يهاجر فيه سكان المدن إلى الواحات كل يوليو وأغسطس ليعيشوا تحت النخيل.
من هنا ولدت فكرة مهرجان التمور، قبل أن يتحول إلى المهرجان الدولي للتمور الموريتانية.
أولا: النشأة والتطور
انطلق المهرجان بمبادرة من وزارة الزراعة، ثم تبنته الأمانة العامة لجائزة خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي التابعة لمؤسسة إرث زايد الإنساني بديوان الرئاسة الإماراتي، بدعم مباشر من الشيخ منصور بن زايد آل نهيان.
النسخة الأولى: نواكشوط - تأسيسية
النسخة الثانية: آطار - التتويج الحقيقي. استضافت مدينة أطار المهرجان الدولي الثاني للتمور الموريتانية بدعم من الإمارات وتنظيم جائزة خليفة بالتعاون مع وزارة الزراعة. كانت الرسالة: التمر يعود إلى منبعه.
النسخة الثالثة: توسع دولي بمشاركة 9 دول.
النسخة الرابعة 25 يوليو 2025: نقلت إلى كيفة عاصمة ولاية العصابة تحت رعاية الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، بحضور وزير الزراعة أمم ولد بيباته ووزير الثقافة الحسين مدو وسفير الإمارات حمد المهيري وأمين عام الجائزة الدكتور عبد الوهاب زايد. وشهدت مشاركة غير مسبوقة: 62 جناحا و72 عارضا من 9 دول، وفي كيفة 133 عارضا منهم 120 محلي و14 دولي، و150 مزارعا في المسابقة.
وقال وزير الزراعة في افتتاحها إن المهرجان "أصبح منصة للتعاون الدولي ورافعة اقتصادية لصغار المنتجين ويمثل دعامة استراتيجية للسيادة الغذائية".
وتم مؤخرا توقيع مذكرة تفاهم بين الأمين العام لوزارة الزراعة الدكتور أحمد سالم ولد العربي وأمين عام جائزة خليفة الدكتور عبد الوهاب البخاري لتنظيم النسخة الخامسة، وهناك ضغط شعبي كبير في آدرار لإعادتها إلى آطار.
ثانيا: آطار.. بنك الأصناف الموريتانية
ما يميز آطار هو تنوعه الوراثي النادر. المهرجان كرم 8 فئات هي خلاصة واحات آدرار:
آحمر آدرار: سيد التمور الموريتانية، الأكثر طلبا وتصديرا، يتحمل التخزين.
تنترقل: صنف رطب مبكر، حلو جدا، يستهلك طازجا.
سكاني: صنف نصف جاف، مفضل للتصدير.
سلمدينة: صنف مقاوم للجفاف.
المهبولة: صنف تقليدي يستخدم في الصناعات التحويلية.
أفضل زريبة (مزرعة نخيل): تكريم لنظام الري التقليدي "الساقية والفگارة".
أفضل رابطة تشاركية: فازت بها رابطة واحة تلبة كنموذج للتسيير الجماعي.
أفضل منتج تراثي من مشتقات النخيل: من الحصير إلى "التيشطار" و"العلك".
كل فائز يحصل على 39.000 أوقية جديدة (1000 دولار) من جائزة خليفة ومثلها من وزارة الزراعة، مع جوائز تشجيعية 60 و70 ألف أوقية لأصناف آحمر، و78.000 أوقية لأفضل مزرعة خارج الواحات.
كما قدمت الإمارات 1000 شتلة من صنف المجهول - أغلى تمر في العالم - لمزارعي موريتانيا كتجربة إدخال صنف جديد متأقلم مع المناخ.
ثالثا: الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية
اقتصاديا:
وضعت جائزة خليفة 6 أهداف استراتيجية لموريتانيا: رفع التصدير من 38.000 طن حاليا إلى 120.000 طن خلال 5 سنوات، ورفع سعر الطن من 1000 دولار إلى 1500 دولار، وزيادة العملة الصعبة من 40 مليون دولار إلى 180 مليون دولار سنويا.
لكن في آطار، المزارع ما زال يبيع الكيلو بـ 300 أوقية قديمة للوسيط، ويباع في نواكشوط بـ 1200.
اجتماعيا:
الگيطنة في آطار ليست زراعة، هي نظام اجتماعي كامل. الأسر تعود للواحة، الشباب يتعلم التسلق والتلقيح، النساء يصنعن "الزريبة". المهرجان حول هذا الطقس إلى هوية وطنية.
ثقافيا وسياحيا:
المهرجان في آطار كان يترافق مع مدائح نبوية، وسباقات الإبل، ومعارض الصناعة التقليدية، وجولات سياحية لقلب الريشات ومدينة شنقيط التاريخية. هذا ما يطالب به سكان آدرار اليوم: لا تنقلوا المهرجان عن آطار، فالتمر بدون آطار كقصيدة بلا وزن.
رابعا: التحديات الحقيقية التي لا يظهرها المهرجان
وهنا بيت القصيد، وهذا ما يجب أن يقوله تقرير صادق:
العطش: 70% من واحات آدرار مهددة بسبب تراجع منسوب المياه الجوفية. الفگارة التقليدية جفت، والمضخات الشمسية غالية.
سوسة النخيل الحمراء: العدو الصامت. ناقشتها الندوة العلمية للمهرجان بمشاركة 17 خبيرا من 6 دول، لكن لم تصل فرق المكافحة بعد إلى أوجفت ووادان.
الهجرة: أبناء الواحات يهاجرون إلى نواكشوط ونواذيبو. النخلة بلا "گرّاب" تموت واقفة.
التخزين والتسويق: لا يوجد مصنع تبريد واحد في آطار. التمر يفسد بعد شهرين. المزارع مجبر على البيع بخسارة.
التمويل: جوائز 1000 دولار تشجيعية، لكن المزارع يحتاج قرضا ميسرا بـ 500.000 أوقية لحفر بئر.
خامسا: التوصيات - ماذا يريد أهل آطار؟
من خلال حديثنا مع مزارعين وروابط واحات، هذه مطالب آطار لإنجاح النسخة الخامسة إذا عادت إليها:
إعادة المهرجان بشكل ثابت إلى آطار كعاصمة وطنية للتمور، وجعل كيفة وكيهيدي مهرجانات جهوية.
إنشاء قطب تبريد وتحويل في آطار بتمويل إماراتي-موريتاني، لتحويل التمر إلى دبس، وخل، وسكر تمر.
بنك جيني لنخيل آدرار لحماية الأصناف الأصيلة من الانقراض أمام صنف المجهول المستورد.
صندوق واحات آدرار: 30% من ريع المهرجان يعود مباشرة لترميم السواقي وحفر الآبار الشمسية.
بطاقة مزارع واحاتي: تأمين صحي واجتماعي لمزارعي النخيل،
الخاتمة
مهرجان التمور في آطار بدأ كفكرة احتفالية، وأصبح اليوم قضية أمن غذائي وسيادة وطنية وشراكة دولية مع الإمارات.
لكن التمر في آطار لا يحتاج فقط من يصفق له في منصة، بل من يسقيه في الواحة.
إن لم نربط بين منصة التكريم في كيفة، وبئر الماء في تلبة، وعزلة مزارع في شنقيط، فسيبقى المهرجان مجرد زيارة مجاملة، لا قبلها شيء ولا بعدها شيء.. تماما كما يحدث في قطاعات أخرى.
هنا لابد من الإشادة بالدور المحوري الذي لعبه والي ولاية آدرار السيد عبد الله ولد محمد محمود في إنجاح المهرجان الدولي للتمور في مدينة أطار السابق ، والذي أصبح علامة فارقة للولاية.
والان يقوم بجهود ميدانية ومتابعته مباشرة ستكون لها الأثر الأكبر في نجاح هذه التظاهرة الدولية، وذلك من خلال:
. التنظيم والتنسيق المحكم: أشرفه شخصيا على التحضيرات، وترأس الاجتماعات التنسيقية مع كافة القطاعات، من وزارة الزراعة والسلطات الأمنية والبلدية والجهة، لتوفير كل الظروف الملائمة لاستقبال الوفود الوطنية والدولية، كما ظهر خلال مرافقته للوفد الوزاري الرسمي في جولاته الميدانية.




