
إن الحديث عن الدولة الوطنية الجامعة في موريتانيا، وتحقيق مبادئ العدالة والمساواة الفعلية، يشكل أحد أعقد الملفات وأكثرها حساسية في الفكر السياسي والاجتماعي الوطني. على الرغم من الاستقلال ومضي عقود من الزمن، فإن بناء "دولة المواطنة" التي تتجاوز الانتماءات التقليدية يواجه تحديات بنيوية عميقة متداخلة تاريخياً واجتماعياً وسياسياً.
أولاً: العوامل التاريخية والاجتماعية (الإرث التقليدي)
- التنوع الإثني والثقافي المعقد: تتميز موريتانيا بتنوع فريد يضم مكونات عربية (بيظان وحراطين) ومكونات إفريقية (بولار، سونينكه، وولوف). هذا التنوع، الذي كان ينبغي أن يكون مصدر ثراء، ظل يعاني من غياب إدارة سياسية وثقافية رشيدة تعترف بالتمايز وتصهره في مشروع وطني جامع دون إقصاء.
- إرث التراتبية الاجتماعية: تاريخياً، قامت المجتمعات المحلية في موريتانيا على بنيات تراتبية صارمة (قبيلة، شرائح، طبقات تقليدية). الانتقال من ولاءات "الدم والجهوية والقبيلة" إلى ولاء "الدولة القانونية الحديثة" كان بطيئاً، حيث ظلت العصبيات التقليدية تشكل ملاذاً للمواطن وقت الأزمات على حساب سيادة القانون.
ثانياً: الاختلالات السياسية والبنية المؤسسية
- احتكار السلطة والثروة: عانت الدولة الموريتانية منذ الاستقلال من تمركز القرار السياسي والاقتصادي في أيدي نُخب معينة، مما كرّس شعوراً بالغبن والتهميش لدى أجزاء واسعة من المجتمع (لا سيما شريحة الحراطين والمكونات الإفريقية).
- ضعف المؤسسات وسيادة الزبونية: غياب المؤسسات القوية والمستقلة التي تطبق القانون بمعزل عن الانتماءات أفسح المجال أمام الزبونية السياسية والمحسوبية. وفي ظل غياب تكافؤ الفرص الحقيقي، تتحول الوظائف العامة والمقدرات إلى غنائم وليست خدمات للمواطنين.
ثالثاً: التحديات الاقتصادية والتنموية
- التفاوت المجالي والطبقي: تعاني موريتانيا من فوارق تنموية صارخة بين العاصمة والمدن الكبرى من جهة، والأرياف ومناطق الهامش من جهة أخرى. هذا التفاوت يعمق الشعور بالدونية وغياب العدالة الاجتماعية.
- الفقر وهشاشة البنى التحتية: الفقر والأمية يشكلان بيئة خصيبة لاستمرار التوجيه القبلي والجهوي في الانتخابات والمحاصصة، حيث يفقد المواطن المحتاج القدرة على الاختيار الحر القائم على الكفاءة والمواطنة.
رابعاً: أزمة الخطاب الوطني والهوية
- تردد المشروع الجامع: لم تنجح النخب المتعاقبة في صياغة "عقد اجتماعي" واضح ومتفق عليه يعيد تعريف الهوية الوطنية بشكل يضمن لكل مواطن شعوره بالانتماء الكامل والكرامة دون امتيازات عرقية أو قبلية.
- التعامل الأمني مع قضايا الهوية: غالباً ما تم التعامل مع التظلمات العرقية والاجتماعية بمعالجات أمنية مؤقتة بدل معالجتها كقضايا حقوقية وسياسية جوهرية تتطلب مصارحة وطنية وإصلاحات جذرية.
والخلاصة هي: إن العجز عن بناء الدولة الوطنية الجامعة في موريتانيا ليس قدراً حتمياً، بل هو نتيجة تراكمات لسياسات إقصائية وضعف في التخطيط الاجتماعي والسياسي. إن تحقيق العدالة والمساواة يظل رهناً بوجود إرادة سياسية جادة تطلق إصلاحات هيكلية تشمل إعادة توزيع الثروة، إنفاذ القانون




