
أكتب لكم هذه الكلمات ليس من زحام "توشكاون" المتهالك، بل من قلب البنية التحتية الرائعة، من الضفة الأخرى من وادي المرايا، حيث أقف شاهداً على زهدٍ وتعففٍ لم تره عين. نحن نزورهم أحياناً في صمتنا، لكن الحقيقة أنهم هم الأغلبية الساحقة، المليارات التي لا تنقص بل تزيد، بينما نحن في عالم الأبراج الزائفة مجرد أقلية تتآكل بمرور الزمن.
في "توشكاون"، لا يرى الحاكم إلا من يستهلك خدماته من ماءٍ وكهرباء لأنهم يدفعون ثمن الفواتير، أما هذه "الأغلبية الساحقة" في العالم العلوي، فقد صُنفت رسمياً كمعارضة وجودية خارج نطاق الاعتبار. إنهم يعيشون حالة من الحرمان المطبق؛ فلا ماء يروي عطشهم، ولا كهرباء تضيء عتمة مساكنهم التي أهملتها خطط التنمية المتفاخر بها. حتى تلك الأحياء السكنية الفاخرة التي يتسابقون في تشييدها في "توشكاون"، ليست في جوهرها إلا مقابر للأحياء الذين لا يدركون أنهم ماتوا منذ زمن، بينما يُحرم هؤلاء "الأحياء الحقيقيون المعارضون" خلف توشكاون من أبسط حق في المأوى، رغم أنهم هم وحدهم من يستحقون الحياة والبقاء.
لقد اختارت دولةُ "ايناتيوروم" أن تقطع عنهم شريان الحياة، ليس لأنهم عجزوا عن الدفع، بل لأن "وزنهم" بات يهدد زيف الرخاء. هؤلاء "الأحياء الحقيقيون" يُعاملون كأرقامٍ لا قيمة لها في سجلات تلك الدولة، إذ انتُزعت منهم بطاقة الناخب واستُبدلت لها بطاقة الإقصاء، بينما يراقبون في صمتهم المطبق عجز الأحياء الذين يغرقون في وهم "البناء" فوق أرضٍ تنهار من تحتهم. لقد قرروا خوض معركتهم الوجودية بامتناعٍ جماعي عن استهلاك الماء والكهرباء، زاهدين عن الدفع الذي يربطهم بنظامٍ لا يعترف بهم، معتصمين عن "دنا" العالم العلوي، رافضين أن يكونوا جزءاً من مسرحية الفواتير، بل إنهم لزموا الأرض التي هم فيها، يرفضون مبارحتها مهما اشتد الحرمان، خوفاً من أن تُنتزع منهم وتُهب للأحياء الزائفين.
والأخطر من ذلك، أن هؤلاء "الأحياء الحقيقيون" يمارسون اليوم تهديداً وجودياً على "ايناتيوروم"؛ فهم يسحبون البساط من تحت أقدام الجمهورية، حيث بات الجميع يهرول إليهم تاركين أرض المدن خلفهم، وكأن النزوح الجماعي نحو الضفة الأخرى هو الانتخابات الحقيقية التي لا يملك الحكام تزوير نتائجها.
لقد وجدت هناك سيد الأحياء، ذلك الحاكم الذي لا يحتاج لانتخابات ولا يبيع وعوداً ببطاقات فقر. هو الكريم الذي يشرع بوابته الكبرى لكل من أقبل عليه بقلبٍ مجرد من "دنا" الدنيا. في ضفته، لا تبنى الجسور لتعلو فوق الرؤوس، بل تُبنى العدالة الاجتماعية كأساس لا يهتز، حيث يرمي الغني عنه أثقاله ليصبح رفيقاً للفقير في ميزان المساواة الأسمى.
من هنا، من حيث تسود السكينة والمناعة الأبدية، أؤكد لكم أن الهرولة نحو هذا "السيد" ليست موتاً، بل هي بحثٌ عن الانتماء للأكثرية الكريمة. في هذه الضفة، تنتهي الديمقراطيات الهشة لتبدأ الاشتراكية الأسمى التي تجعل الفقير والغني سواسية، حيث الجميع ضيوفٌ في مأدبة الخلود، وحيث الباب مفتوحٌ على مصراعيه لكل من سئم ضوضاء العالم العلوي وقرر أن يعيش أخيراً.. دون أن يموت بعدها أبداً.
بقلم: يحياوي محمد الأمين ولد يحيى




