
منذ عقود، ونحن نعيش حالة من الفقر في النقاش السياسي. لا حوار حقيقي، لا سجال فكري، ولا اختلاف يثري العقول ويقود إلى فهم أعمق للواقع.
إذا تحدث شخص بإيجابية عن قرار حكومي، أو أثنى على خطوة يراها نافعة للبلد، جاءه الرد فورًا: "أنت معطيلك شِي".
وإذا انتقد شخص أداء الحكومة أو أشار إلى خلل في السياسات العامة، قيل له مباشرة: "أنت ناقِم وادَّور شِي". واختُزِل كل شيء في عبارتين جاهزتين:
"هذا ناقِم ويبحث عن شِي" و"ذاك مرتاح معطيلُ شِي".
وهكذا ينتهي النقاش حتى قبل أن يبدأ.
لم نعد نناقش الأفكار، بل أصبحنا نفتش في النيات. لم يعد السؤال: هل هذا الرأي صحيح أم خاطئ؟ هل هذا القرار مفيد أم ضار؟ بل أصبح السؤال الوحيد: ماذا يريد هذا الشخص؟ وما مصلحته؟
ولم يتوقف الأمر عند سوء الظن فقط، بل تجاوز ذلك إلى شخصَنة النقاش وتحويله من نقاش للأفكار إلى صراع بين الجماعات والأفراد. فلم نعد نهتم بما يُقال بقدر ما نهتم بمن قاله، ثم يُواجَه المختلف بالجلد والذم والتخوين بدل مناقشة حجته. وهكذا تتحول القضايا العامة إلى اصطفافات شخصية: هذا مع فلان، وذاك ضد فلان، وتضيع الفكرة وسط الولاءات والخصومات.
ومن مظاهر هذا الفقر أيضًا أن كثيرًا من الناس لم يعودوا يدخلون النقاش بحثًا عن الحقيقة، بل بحثًا عن الانتصار. أصبح الهدف هو إسكات الطرف الآخر أو إحراجه أو تسجيل نقطة عليه، لا فهم الواقع ولا اختبار الأفكار. وحين يتحول الحوار إلى معركة، يموت التفكير، ويعلو الضجيج.
وبين هذا وذاك، يبقى السؤال الأهم: من أين جاء هذا الداء؟
كيف وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها الناس عاجزين عن تصديق أن الإنسان قد يؤيد عن قناعة، أو يعارض عن إخلاص؟ لماذا تحوّل كل رأي إلى تهمة مؤجلة، وكل موقف إلى مصلحة خفية؟
يبدو أن المشكلة أعمق من السياسة نفسها؛ إنها أزمة ثقة طويلة، حتى أصبح سوء الظن ثقافة عامة، وأصبح الشك هو التفسير الأسهل لكل شيء. ولعل المتنبي اختصر هذه الحالة بدقة مذهلة حين قال:
إذا ساءَ فعلُ المرءِ ساءتْ ظنونُهُ
وصدَّقَ ما يعتادُهُ من توهُّمِ
فالإنسان الذي يعتاد الإساءة والشك، يبدأ تدريجيًا في رؤية العالم كله بعين الريبة. لا يصدق وجود رأي نزيه، ولا موقف صادق، لأن داخله امتلأ بالتوهم وسوء الظن. وحين تصبح هذه العقلية جماعية، يتحول المجتمع إلى ساحة من الاتهامات المتبادلة، لا إلى فضاء للنقاش والتفكير.
إن أخطر ما في هذه الحالة أنها تقتل الحقيقة...




