
طَافَ الْخَيَالُ بِلَيْلٍ بَاتَ يَعْتَكِفُ ... إِلْفُ الرُّؤَى يَا بَنِي إِنسَانِ يَزْدَلِفُ
يَا لَيْلُ قُلْ لِي أَمَا لِلْبَوْحِ نَاصِيَةٌ ... يُقَادُ مِنْهَا قَرِيضُ الشِّعْرِ يُقْتَطَفُ
أَمْ أَنَّ بَحْرَ الْقَوَافِي ضَاعَ مَنْبَعُهُ ... وَغَارَ فِيهِ لُجَيْنُ الْحَرْفِ يَنْكَسِفُ
سَأَلْتُ عَنِّي نُجُومَ اللَّيْلِ فِي غَسَقٍ ... فَمَا أَجَابَتْ وَظَلَّتْ فِيكَ تَعْتَرِفُ
سَأَمَرْتُ نَاعِسَةَ الْأَجْفَانِ فِي وَجَعِي ... وَالْقَلْبُ يَأْسِرُنِي وَالشَّوْقُ يَلْتَهِفُ
أَنَا الَّذِي صَاغَ مِنْ صَمْتِي مَلَاحِمَهُ ... وَفِي عُيُونِي بَقَايَا الدَّمْعِ تَرْتَجِفُ
نَادَيْتُ حَرْفِي فَجَاءَ الطَّوْعَ يَتْبَعُنِي ... كَأَنَّهُ مَوْجُ بَحْرٍ بَاتَ يَنْقَذِفُ
لَسْتُ امْرَأً بِقَرِيضِ الشِّعْرِ مُنْشَغِلًا ... بَلْ إِنَّني كَاتِبٌ وَهَذِهِ الصُّحُفُ
يَا كَاتِبَ السِّرِّ فِي أَلْوَاحِ غُرْبَتِنَا ... دَعِ الْمَلَامَةَ إِنَّنِي هَائِمٌ دَنِفُ
مَا بَالُ قَوْمِي أَمَاعَتْهُمْ مَطَامِعُهمْ ... وَصَارَ فِيهِمْ لِبَاسُ الْخِزْيِ يَلْتَحِفُ
هُمُّوا إِلَى الْمَجْدِ وَاسْتَلُّوا عَزَائِمَكُمْ ... فَإِنَّمَا الصَّبْرُ بِالْأَهْوَالِ يَتَّصِفُ
لَا يَرْكَنَنَّ إِلَى الْأَوْهَامِ ذُو نَهْجٍ ... يَبْنِي الْقُصُورَ وَأَصْلُ الْعِزِّ يَنْجَرِفُ
يَا أَيُّهَا الشِّعْرُ كُنْ لِلْحَقِّ مِرْآةً ... فَأَنْتَ صَوْتٌ لِمَنْ لِـلظُّلْمِ يَقْتَرِفُ
رَسَمْتُ دَرْبِي بِأَقْلَامِي وَمِحْبَرَتِي ... وَمَا ثَنَتْنِي رِيَاحٌ كَانَتْ تَعْتَصِفُ
فَقُلْ لِمَنْ بَاتَ يَبْغِي الْبُعْدَ عَنْ شِيَمِي ... أَنَا الْأَبِيُّ وَبِي الْأَخْلَاقُ تَأْتَلِفُ
إِنَّ الْكِرَامَ إِذَا ضَاقَتْ بِنَا سُبُلٌ ... جَادُوا بِأَنْفُسِهِمْ وَالْخَيْرُ قَدْ يُتْرَفُ
وَمَا نَالَتِ الْأَيَّامُ مِنْ عَزْمِي وَلَا ... حَطَّتْ مَقَامِي وَإِنْ زَاغُوا وَإِنْ عَنِفُوا
أَسِيرُ وَالْقَدَرُ الْمَحْتُومُ يَقْبِضُنِي ... وَفِي يَمِينِي سِرَاجُ الْعِلْمِ يَنْشَرِفُ
يَا صَاحِبِي إِنَّ هَذَا الدَّهْرَ ذُو غِيَرٍ ... لَا يَسْتَقِيمُ وَلَا لِلْخَلْقِ يَنْعَطِفُ
فَارْحَلْ بِنَفْسِكَ عَنْ دَارِ الْهَوَانِ وَلَا ... تَقْبَلْ بِضَيْمٍ إِذَا الْأَحْرَارُ قَدْ وُصِفُوا
إِنَّ الْحَيَاةَ كِفَاحٌ لَا انْتِهَاءَ لَهُ ... وَفِي النِّهَايَةِ كُلُّ النِّاسِ تَنْصَرِفُ
خُذْ إِلْفَ رُؤْيَاكَ عِلْمًا وَمَوْعِظَةً ... فَالشِّعْرُ فَيْضٌ مِنَ الْأَوْجَاعِ يُغْتَرَفُ
سَلِ الدِّيَارَ الَّتِي أَمْسَتْ بِلَا أَثَرٍ ... هَلْ بَقِيَ فِيهَا لِغَيْرِ الذِّكْرِ مُعْتَكَفُ
تَمْضِي السِّنُونَ وَتَبْقَى الذِّكرَيَاتُ لَنَا ... كَالنُّورِ فِي حَلَكِ الْأَيَّامِ يَنْكَشِفُ
أَنَا الْمُسَافِرُ فِي بَحْرِ الْخَيَالِ وَمَا ... رَسَتْ شِرَاعِي وَلَا لِي مَوْجٌ يَنْقَصِفُ
أَصِيغُ مِنْ دَقَّاتِ قَلْبِي لَحْنًا شَجِيًّا ... لَعَلَّ رُوحِي مِنَ الْأَحْزَانِ يَنْحَرِفُ
كَأَنَّنِي فِي مَدَارِ الْعِشْقِ أُغْنِيَةٌ ... يَرْوِيهَا دَهْرٌ عَنِ الْعُشَّاقِ يُسْتَنْزَفُ
سَأَلْتُ نَفْسِي وَأَوْجَاعِي تُحَاصِرُنِي ... مَتَى سَيَبْرَأُ وِجْدَانٌ بِهِ كَلِفُ
كَمْ جَالَ فِكْرِي بِأَوْدِيَةٍ مُقَفَّرَةٍ ... حَتَّى رَأيْتُ نَمِيرَ الشِّعِّرِ يَنْذَرِفُ
آنَسْتُ نَاراً أَضَاءَتْ مِنْ أَمَامِي هُدًى ... فَاخْتَطَفَتْ بَصَرِي وَالْعَيْنُ تَنْخَصِفُ
نورٌ أَضَاءَ بِهِ مِصْبَاحُ قَافِيَةٍ ... يَهْدِي الْقُلُوبَ إِذَا مَا ضَلَّ يَكْتَشِفُ
أَيُّوبُ فِي جَسَدِي يُؤْنِسُنِي صَبْرُهُ ... يَعْقُوبُ فِي بَصَرِي كَيْمَا أُكَفْكِفُ
لَا عَيْشَ لِلْحُرِّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ ... رَأْيٌ سَدِيدٌ وَبِالْإِقْدَامِ يَحْتَلِفُ
يَا رَبُّ هَبْ لِي مِنَ الْإِيمَانِ مَقْدِرَةً ... أَمْضِي بِهَا حَيْثُ نُورُ الْحَقِّ يَحْتَرِفُ
وَاجْعَلْ قَرِيضِي لِأَهْلِ الْخَيْرِ مَنْهَلَهُمْ ... وَلِلطُّغَاةِ جَحِيمًا لَيْسَ يَنْطَفِفُ
أَنَا بِنُورِ الْهُدَى قَدْ صُغْتُ قَافِيَتِي ... وَفِي مَعَانِيهَا فَيْضُ الْحَقِّ يَنْدَلِفُ
مَا كَانَ لِي أَنْ أَبِيعَ الْحَرْفَ فِي سُوقٍ ... يُبَاعُ فِيهَا صَدُوقُ الْقَوْلِ يَنْسَخِفُ
بَلْ أَنْتَ بَيْتٌ رَفِيعُ الْقَدْرِ مَنْزِلُهُ ... بَيْنَ الْكَوَاكِبِ لِلْأَبْصَارِ يَخْتَطِفُ
نَظَرْتُ لِلْكَوْنِ فِي بَهَاءِ خَالِقِهِ ... فَكُلُّ شَيْءٍ بِحَمْدِ اللهِ تَنْكَسِفُ
فَسُبْحَانَ مَنْ أَرْسَى الْجِبَالَ رَوَاسِيًا ... وَأَجْرَى فِيهَا نَمِيرَ الْمَاءِ يَنْغَرِفُ
يَا نَفْسُ تُوبِي فَإِنَّ الْمَوْتَ غَايَتُنَا ... وَكُلُّ مَنْ جَاءَ لِلرَّحْمَنِ يَسْتَظْرِفُ
لَا تَغُرَّنَّكَ الدُّنْيَا بِزِينَتِهَا ... فَالْمُلْكُ لِلهِ لَا بَيْتٌ وَلَا غُرَفُ
خَتَمْتُ قَوْلِي بِذِكْرِ اللهِ مُبْتَهِلًا ... فَالْقَلْبُ مِنْ خَشْيَةِ الْجَبَّارِ يَرْتَجِفُ
ثُمَّ الصَّلَاةُ عَلَى الْمُخْتَارِ سَيِّدِنَا ... مَا رَفَّ طَيْرٌ وَمَا مَالَتْ بِهِ السُّعُفُ
وَالْآلِ وَالصَّحْبِ مَنْ فَاحَتْ فَضَائِلُهُمْ ... كَالْمِسْكِ فِي عَالَمِ الْأَهْوَالِ




