وادي المرايا (الحلقة 40): هبة الحاكم ونمارق البلاط/ بقلم: يحياوي محمد الأمين ولد يحيى

أربعاء, 06/05/2026 - 08:52

​في قلب "إيراتون"، شيد الحاكم صرحاً منيفاً أسماه "قصر الهبة"، ونصب على أبوابه "حوريات الفند"؛ تلك الصور التي تبدو كأنها نمارق البلاط، تغري المتعبين بالراحة، لكنها في الحقيقة أغلال مخملية جعلها الراعي واجهة لـ "صاحبة البلاط" المدجنة. هناك، صارت "الهبة" هي المسيرة والمتحكمة في "صاحبة الجلالة" عبر دهاليز ذلك القصر؛ وحقاً لا يُعين مشرفاً على هذه الهبة إلا من خرج من باب الخدم الخلفي حاملاً خاتم التبعية، ليكون مجرد أداة ترويض تخدم صاحب المرايا وحده.

​وبعد أن نالت "الهبة" (صرح الصاد) تفويضها المطلق، أضحت تملك ميسمها الخاص، تسم به جباه رهبان الحرف التابعين لها لتمييزهم عن غيرهم. وفي مرآة وادي المرايا، انعكس القلم فغدا "ملقاً" مفضوحاً، يعكس زيف الوجوه المبالغة في الثناء ولا يخط إلا ما يشتهيه الحاكم.

​لقد استأثر الحاكم بـ "حرف القاف" وحرمه على الرعية، لأنه عاجز عن استحضاره في حنجرته التي لا تجيد إلا نبرة "الغين"؛ ففرض نقصه قانوناً في كل شبر من الوادي. فباتوا لا ينطقون القلم إلا "غنم"، وبحذف القاف من المستقلة، صُيّر مصيرها "مستغلة" يرتع صاحبها في الغيب؛ إذ جعل الحاكم "كل فرد من رهبان الحرف طائره في عنقه"، بعد أن صكّ لهم أقراصاً في أعناقهم تسجل أنفاسهم وتوثق خضوعهم، ليظل الحامل مداناً بكلمته ورهينة لـ سلطان الغين، تحت وطأة طيور الأغلال التي تحجب شعاع الحقيقة.

​وإذا نزلت إلى أزقة الوادي وسألت عن مذرا الرهبان، فلن تجد من يعرفهم؛ فقد طمست "غين" الحاكم وجودهم، ولم يعد الناس يعرفون إلا الوجوه الرسمية المختومة بخاتم القصر والموسومة بميسم الهبة. لينتهي المشهد بأبشع صوره عند "حور الصاد"؛ حيث جُرّدت تلك الحوريات من لباسهن وهيبتهن، فبتن عارية نكراء ملقاة على أرصفة الوادي، يتناوب مارقو البلاط على اغتصابهن أمام الأعين، ليعلنوا للجميع أن السيادة قد سُحلت، وأُلبست ثوب الصمت والصدود، وفقدت شرفها تماماً في حضرة الحاكم.