الجوع كبرياءً.. وفطيرة الصائم الفقير

سبت, 21/02/2026 - 18:03

​تستوقفنا هذه الأيام أرقام تفرض نفسها بقوة على مائدة الصائم قبل طعامه؛ فقنينة الزيت التي بلغت 370 أوقية جديدة، و"خنشة" السكر (5 كلغ) التي قفزت إلى 1500 أوقية جديدة، وصولاً إلى سعر اللحم العادي الذي استقر عند 2600 أوقية قديمة، وتلك الطوابير الجنونية التي لا تهدأ أمام "المجازر المغاربية" التي لا تحترم يافطاتها المعلنة، كلها ترسم مشهداً يحتاج منا وقفة تأمل هادئة. إن المواطن الذي يرى تلك اليافطات الرسمية تزين الأبواب دون أن تلمس جيوبه أثراً حقيقياً لتخفيضها، يجد نفسه أمام خيار وحيد: التعفف كخيار استراتيجي.

​لقد أصبح الصيام بالنسبة للكثيرين من ذوي الدخل المحدود نوعاً من "الأمان الاجتماعي"؛ فهو الوقت الذي يشرعن فيه الإنسان لنفسه تقليص استهلاكه و"القص من طاقته" دون حرج. ولعل من المفارقات التي تستحق التأمل، هي تلك الأمنية المرة التي قد تخطر ببال البعض: "ماذا لو كان العام كله رمضان؟".

​ومن هنا، فإننا ومن باب البحث عن حلول تخفف وطأة المعاناة، نرفع مقترحاً "أدبياً" بصبغة سيادية إلى رئيس الجمهورية: أن يتم إصدار قرار يقضي بتمديد شهر رمضان ليصبح سنة كاملة!

​إن جدوى هذا التمديد تكمن في قدرته على شطب "نهار كامل" من حسابات المعيشة الصعبة؛ فبدلاً من صراع الوجبات الثلاث، يكتفي المواطن بوجبة ليلية واحدة تستر حاله وتوفر عليه عناء البحث عن لقمة مستحيلة في وضح النهار.

​هذا المطلب، وإن بدا في ظاهره غريباً أو مضحكاً مبكياً، إلا أنه في العمق يمثل الملاذ الأخير للفقراء؛ فالصيام هو الحالة الوحيدة التي تستر عوز المحتاج وتمنحه "شرعية التعفف" بدلاً من إرهاق نفسه في ملاحقة أسعار لم تعد ترحم. إن المواطن الذي قرر أن يكتفي بـ "فطيرة الكرامة" والتعفف عن طوابير اللحوم المزدحمة، يجد في ديمومة رمضان حلاً يحفظ له كبرياءه أمام سوقٍ عجزت الرقابة عن لجم اندفاعها، وأمام واقعٍ صار فيه الجوع أهون من ذل الحاجة.

​بقلم: يحياوي محمد الأمين ولد يحيى

​ملاحظة: الأرقام المذكورة ليست مجرد إحصائيات، بل هي واقع عاشه كاتب هذه السطور اليوم، واشتراها بـ "شُحّ ماله" ليعرف يقيناً ما يعانيه أبناء شعبه خلف جدران الصمت والتعفف