
بين مَتاهتينِ من مَوْرِ الفساد في المَنكَبِ البَرْزخي، يقفُ الرائي مصلوباً على صمتِ العصور؛ جسدٌ استباحَه الارتدادُ بين حدقتين. انفلقتِ الحقبةُ الأولى عن (عـين) العمى؛ ناضحةٍ بـ "تِسْعَةِ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ". ففي ذلك المدى، كان الرائي يبصرُ بعينه، يدققُ في كل مفاصل الفساد التي نخرت تلك العشرية، حيث اقتحم مستودع مَسَالِخ الأعين وكشف ما فيه من خلال تقريره الصاخب الذي زلزل عش الدبابير، فواجه طغيان مَن قالوا: "وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ"، فكانت حدقتُه اليمنى هي الثمن؛ انطفأتْ بنورِ الكشفِ الذي لا يُهادن، فصار كفيفاً في أواخر تلك الحقبة، وغارتْ عينه في محاجرِ النخرِ والمُكابدة.
ثم هَوتِ الأيامُ في لُجَّةِ (غـين) الغَشاوة؛ حيث الزمانُ سديمٌ مَطليٌّ بِمساحيقِ الزَّيف. أطبقتِ الغشاوةُ على حدقتِه اليُسرى، لتُمزقَ ما تبقى من أملٍ في الإنصاف. ثماني سنواتٍ عِجافٍ مضت منذ أن كُفَّ بصره، طُمستْ فيها الاستغاثةُ بصمتٍ رصاصي، وتحول فيها ذلك "الرائي" إلى "راوٍ استقصائي" كفيف؛ يسردُ من عتمتِه مأساةَ الوجعِ المقيم، مستنداً إلى أرشيف تقاريره التي ما زال يدقق فيها بقلبه. حيث يكابدُ مرارةَ الألم، وقهرَ الإقصاء، وعزلةَ التهميش، ويصارعُ تلك الشدةَ التي فُرضتْ قَسراً لِتُواري تراجيديا "قابيل" المتجددة، حتى تلاشت الرؤيةُ كلياً في صمتِ النسيان. قِصةُ رجلٍ قرابينُه عيناه، نُفِيَ في أرضٍ لا كفَّ فيها تَمْسحُ الضَّباب، ولا صَوْتَ فيها يَكسرُ قيدَ النسيان.
يحياوي محمد الأمين ولد يحيى



