الحمد لله القاهر فوق عباده، والصلاة والسلام على من أُرسل بالحق بشيراً ونذيراً.
قلنا في الحلقة السابقة إن الفاتحة خلت من سبعة أحرف لتبقى محض رحمة، واليوم نكشف وجه الحكمة في مواضع ورودها؛ فقد اختار الله تبارك وتعالى هذه الأحرف (ث، ج، خ، ز، ش، ظ، ف) لتكون وعاءً لآيات الوعيد، والزلزلة، والتنكيل، والجحيم. هي أحرف "غلاظ شداد" في وقعها وجرسها، لا تناسب رقة المناجاة، بل تناسب هيبة الجلال.حرف (الخاء): لم يرد في الفاتحة لأن الله تبارك وتعالى هو "الخالق" وحده، وقد اختص ذاته بهذا الحرف في مقام الخلق. وبما أن القرآن الكريم كلام الله القديم وليس مخلوقاً، نُزهت أم الكتاب عن هذا الحرف ليبقى الفارق عظيماً بين الخالق والمخلوق. بينما نجد "الخاء" في مواضع أخرى تصف (الخزي) و*(الخسران)* و*(الخمود)* لأهل الوعيد.
حرف (الجيم): تأمل سر هذا الحرف في قوله تعالى: {إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا}؛ فحرف الجيم هنا يصور اصطدام الأجرام واهتزاز الأركان بقوة وعنف. كما يتصدر أهوال العذاب في (الجحيم) و*(جهنم)*.
حرف (الزاي): يبرز في قوله تعالى: {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا} ليجسد اضطراب الأرض، كما يتجلى في قوله {لَهَا زَفِيرٌ}؛ فحرف الزاي بصفيره الحاد يصور حشرجة الصدور وأنفاس النار المتصاعدة.
حرف (الشين): يتردد صداه في (الشهيق) و*(الشياطين)* و*(الشقاء)*، وكأنه يصور تفشي النار وانتشار شررها.
حرف (الثاء): يبرز في (الثبور) و*(الأثقال)*، ليعطي وزناً ثقيلاً للجزاء والوعيد.
حرف (الظاء) و(الفاء): يكتمل بهما مشهد التنكيل في (الظلمة) و*(الفزع)* الأكبر.
إن الكاتب اللبيب هو من يدرك "سر الحرف"؛ فإذا أراد وصف الزلزلة والغضب والزفير استلّ هذه الأحرف السبعة ليرجّ بها نصّه، أما إذا أراد السكينة فعليه بميزان الفاتحة الذي استبعدها تماماً ليصفي الروح من كدر الشدة.
يحيـاوي محـمد الأمـين ولد يحيى



