
خلال الفترة الممتدة بين 2020 و2025 تكشف الأرقام الرسمية الصادرة عن معادن موريتانيا، والبنك المركزي، ومبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية، عن فجوة خطيرة وغير مبرَّرة في إنتاج الذهب، تمثلت في اختفاء 12.3 طنًا، أي ما يعادل نحو 891 مليون دولار
فبينما صرّحت معادن موريتانيا بإنتاج ميداني بلغ 54.3 طنًا في الشامي وأزويرات، تؤكد تقارير البنك المركزي أن ما وصل فعليًا إلى الاحتياطات لا يتجاوز 42 طنًا، وهو الرقم نفسه الوارد في تقارير الشفافية
هذا الفارق، الذي يمثل 22% من الذهب المنتج، لا يمكن تبريره تقنيًا، إذ إن أعلى نسب الضياع المعترف بها دوليًا لا تتجاوز 5–7%. وعليه فإن أكثر من 15% تمثل ثقبًا أسود لا تفسير له إلا بوقوع أفعال مجرّمة
هذا الواقع يضع معادن موريتانيا تحت شبهات قانونية جسيمة، أبرزها غسل الأموال والتهريب الدولي؛ إذ تشير المعطيات إلى تداول كميات من الذهب مجهول المصدر خارج السجلات، مع مؤشرات على نقله خارج البلاد عبر طائرات خاصة يُقال إنها تهبط دوريًا في مطار أم التونسي قبل التوجه إلى دبي، المعروفة بكونها سوقًا مفتوحًا لتجارة الذهب ضعيف الرقابة
وفي هذا السياق، تبرز حادثة الطائرة الأخيرة التي حطت بالمطار ذاته وعلى متنها أجانب ( هنود ) أُفرج عنهم بعد ساعات، بما يثير تساؤلات جدّية حول طبيعة تلك الرحلة التي من المرجح ان تكون قد نقلت كميات ضخمة من الذهب ، خاصة مع ارتفاع سعره الغير مسبوق في الفترة الماضية
كما تشير الوقائع إلى تهرب ضريبي وجمركي منظم بسبب غياب تدقيق المسار الكامل للذهب من التجميع والتصفية إلى البنك المركزي، ما يعني حرمان الخزينة من عائدات تُقدَّر بما لا يقل عن 179 مليون دولار سنويًا، وهو ما يُصنَّف قانونًا ضمن تبديد الأموال العمومية
ويتعزز الاشتباه بملف الرخصة رقم 3742 في منطقة التمايه، الممنوحة بتاريخ 24/11/2025، قبل حجب النظام الإلكتروني للسجل المعدني لأسابيع ثم اختفاء الرخصة، في سلوك يدل على طمس متعمّد للسجلات واستغلال نفوذ
ومن المؤكد أن مدير معادن موريتانيا باعثمان لا يمكن أن يكون وحده في هذا الملف المعقّد؛ فحجم الفجوات وتسلسل الوقائع يشيران إلى أن الأمر يتجاوز قرارًا إداريًا معزولًا
وتتداول الأوساط الرقابية اتهامات جدّية تطال شخصيات نافذة أخرى، من بينها أقارب وزراء ورفقة شركاء آخرين)
إن ما يكشفه هذا التحقيق لا يمكن التعامل معه كخلل إداري عابر أو اختلاف أرقام، بل كـ مسار خطير يهدد الدولة من داخلها
فاختفاء أطنان من الذهب، وضعف الرقابة، وترك الثروة الوطنية تحت هيمنة المقربين وشبكات النفوذ، كلها عناصر تُعيد إنتاج نماذج فاشلة عرفتها دول أخرى وانقلبت إلى استيلاء على الدولة وانهيار الثقة فيها
ولا يمكن، سياسيًا ولا أخلاقيًا، أن يسكت رئيس الجمهورية عن سرقة تقارب مليار دولار من أموال شعب يعيش أغلبه تحت خط الفقر، ويعاني من البطالة وغلاء المعيشة وضعف الخدمات الأساسية
فحين يُطلب من المواطن الصبر والتقشف، لا يمكن في المقابل التساهل مع نهب ثروة سيادية بهذا الحجم، أو تركها تتحول إلى غنيمة تتقاسمها شبكات النفوذ
إن التجارب القريبة والبعيدة تُثبت أن السكوت عن استحواذ الدوائر الضيقة على الموارد الاستراتيجية كان دائمًا المدخل لانفجار الأزمات، وأن الرؤساء لا يسقطون بسبب أخطائهم الشخصية بقدر ما يسقطون حين يتحول محيطهم إلى عبء عليهم
والتاريخ القريب في موريتانيا شاهد على ذلك ، الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز دفع ثمن أفعال وسلوكيات مقربيه حين تُركوا يعبثون بالمال العام، فكان هو أول من وجد نفسه في واجهة الحساب
إن إيقاف هذا النزيف، وفتح تحقيق مستقل وشفاف، ومحاسبة كل من تورّط أو وفّر الحماية، لم يعد خيارًا سياسيًا، بل ضرورة لحماية الدولة والرئاسة معًا
فإما أن يُغلق اليوم هذا المسار المعتم،
أو يُترك ليستمر… وتكون كلفته أكبر على الجميع عرض أقل..
محمد الحافظ.....منصة ابناء حسان



