العيش المشترك/ محمد فال بلال

اثنين, 12/01/2026 - 14:00

وصلتني رسالة من الرئيس بيرام الداه اعبيد ينطلق فيها من حفل تخرج مجموعة من القضاة ليطرح سؤالا يُبطن استنكارا وانتقادا لسياسات الدولة في التوظيف والإدارة والتعيين. وأشار في رسالته إلى مناسبات أخرى - غير تخرُّج دفعة القضاة - تُظهر حضورا ملحوظا لإحدى المكونات في ظل غياب شبه تام للمكونات الأخرى.

وقد تابعت باهتمام ما أثارته الرسالة من ردود وتفاعلات ونقاش. وأودّ أن أشارك أصدقاء ومتابعي الصفحة رأيي في موضوع هذه الرسالة، على أن يكون ذلك ضمن نقاش تفاعلي ومسؤول، يسوده الهدوء والاحترام، بعيدًا عن أي تجريح أو مساس بكرامة الأشخاص.

قبل ذلك أقول بأن معظم التعاليق التي اطلعت عليها تذهب في اتجاه: "نعم، هذه مسابقة تستوفي الشروط الإدارية والقانونية مفتوحة لجميع المواطنين. ولهؤلاء الحق في الترشح والفوز طبقا للنصوص المعمول بها. ولا يوجد أي شيء في القانون يمنعهم من ذلك". تعليقي على هذا الطرح يتلخص في كلمة واحدة: صدقتم، هذا هو القانون؛ ولكن "يَعطي الشّرع ألِّ اتهاب الرّگْبَه".. مثل حساني مليء بالحكمة والعقل.

* طبيعة المشكل المطروح

إن الأمر المثار في رسالة الرئيس بيرام ليس ناتجا عن عنصرية أو تمييز أو إقصاء ؛ بل هو ناتجٌ عن نظام "الدولة الموحدة المركزية على النمط اليعقوبي" (État unitaire centralisé de type jacobin) الذي تأسست عليه الدولة الموريتانية منذ الاستقلال إلى غاية اليوم. وهو نظام حكم فرنسي بامتياز موروث من الاستعمار. وله عدة خصائص، أهمها: مركزية السلطة، ومبدأ الجمهورية الواحدة الموحدة غير القابلة للتجزئة، ومفهوم « المواطنة الجامعة » (citoyenneté collective) القائم على فكرة « المواطن المجرّد » (citoyen abstrait)، حيث أن الدولة لا تعترف إلّا بالأفراد لا بالجماعات. وتعتمد مبدأ المساواة أمام القانون بغضّ النظر عن الأصل أو العرق أو الثقافة حفاظا على الوحدة والانسجام.

في مثل هذا النظام، يوجد توتر بنيوي دائم بين "الوحدة" و"التعددية"، وبين "الدولة" و « المجموعات »، حتى فرنسا نفسها لم تسلم من ذلك - رغم كونها أم اليعقوبية - فهي تواجه اليوم مشاكل كثيرة مع الهويات الفرعية والثقافات والديانات. ويتجلى ذلك في الجدل الحاد الدائر فيها  حول الهوية، والمواطنة، والعلمانية، والإحصاءات العرقية، والتمييز الإيجابي، إلخ.

موريتانيا ليست بمنأى عن الجدل ذاته.

صحيح، أنها قطعت أشواطًا مهمة في اتجاه الإقرار بالتعددية والتنوع من خلال الاعتراف الدستوري بوجود 4 لغات: لغة رسمية (العربية) ولغات وطنية (بولارية، صونيكية، ولوفية). ويُعد هذا الاعتراف عامل استقرار مهم، ولكنه لا ينهِي الجدل، لأنه من الناحية المؤسسية، لا يعترف بالجماعات (4) الناطقة بهذه اللغات بوصفها « فواعِل سياسية». لا يعترف بها ككيانات قانونية تمتلك حقوقا سياسية جماعية خاصة، أو أدوارا مؤسسية منظّمة. وبالتالي، فإنه لا يقضي بحقوق سياسية جماعية، ولا آليات تمثيل مؤسسية.

هنا يبرز الإشكال الحقيقي الذي تواجهه بلادنا مثل غيرها من البلدان المشابهة؛ وهو التناقض بين وجود جماعات لها "ذوات" ومطالب، ودستور لا يعترف إلاّ بالأفراد. لا أبيض، ولا أسود، ولا أسمر، ولا أصفر ، ولا تمييز، ولا محاصصة.

هذا هو لُب الإشكال الذي أثاره الرئيس بيرام الداه اعبيد. إن نجاح كوكبة من القضاة العرب لا يُعد خرقا للقانون، أو تمييزا ضد مجموعات معينة لصالح أخرى، ولكنه - مع ذلك - يبقى مستهجنا وقابلا للنقد والاستنكار من باب حسن إدارة الاختلاف ونشر ثقافة التشارك والإنصاف.

 

* عودة إلى المثل الحسّاني: يعطي الشرع ألّ اتهاب الرّگْبَه.

من المعلوم بداهةً أن القانون لا يكون دائما مرادفا للعدالة، بل قد يكون أحيانًا سببا في الهيمنة والسيطرة. ولذلك، فإن  المجتمعات تحتاج دائما إلى تطوير آليات نظامية وسياسية وأخلاقية للحدّ أو التخفيف من الآثار الصادمة أحياناً للقانون. وبناء على ذلك، ينبغي تطوير "النظام اليعقوبي للدولة" بإدخال جرعات من المرونة والليونة والانفتاح على المجموعات، على قاعدة "التمثيل لا الحصص"، لأن ترسيخ الدولة وتعزيز التماسك الوطني يقتضيان وجود إدارة عمومية تعكس التنوع الاجتماعي والثقافي والجهوي للبلاد. و أي نقص في تمثيل بعض المكوّنات المجتمعية داخل جهاز الدولة قد يغذي مشاعر الإقصاء، ويقوّض شرعية المؤسسات العمومية، وقد يشكل عاملًا من عوامل التوتر الاجتماعي والسياسي. وعليه، تبرز الحاجة إلى اعتماد سياسة عمومية تهدف إلى ضمان مشاركة أكثر إنصافًا وفعالية للمكوّنات المجتمعية في تسيير الشأن العام، مع احترام مبادئ الكفاءة، ونجاعة الإدارة، والوحدة الوطنية.

وفي هذا الإطار، يتعيّنُ على النخبة الموريتانية ابتكار سُبُل وصيغ تُمكِّن من إنصاف المجموعات غير العربية وحماية مصالحها في مجالات المشاركة والتمثيل، مع المحافظة على طابع دولة "المواطنة الجامعة". ويقتضي الأمر مراجعة آليات التمثيل في المناصب العليا بما يُلزم التعيين بأن يعكس التنوع المجتمعي العام. على سبيل المثال، إذا كانت الكفاءة هي المعيار الأول في التعيين، ينبغي أن تكون مراعاة التوازن أو التنوع المجتمعي هي المعيار الثاني.

وقد أظهرت الدولة الموريتانية، بقيادة فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، وعياً ومرونة ونضجاً ملحوظاً فيما يتعلق بتمثيل ومشاركة جميع مكونات المجتمع في الشأن العام. على سبيل المثال، قامَ بتعزيز اللامركزية وتوسيع "النسبية" في المجالس البلدية والجهوية والبرلمان. وفتحَ "مدارس الامتياز" لاحتضان عددا أكبر من أبناء الفئات الأقل حظا. وأعاد دفء الحياة للمدرسة الجمهورية أو يحاول. وأقرَّ القانون التوجيهي للنظام التربوي الذي ينص على تعليم كل طفل موريتاني بلغته الأم. وتماشيا مع هذه الجهود واستمراراً مباشراً لها، يمكننا التفكير اليوم في:

~ إقرار  التنوع الاجتماعي معيارا من معايير التعيين بعد الكفاءة والخِبرة .~ تحيين النصوص المنظمة للتوظيف والتعيين والترقية في الإدارة العمومية بهدف تحسينها.

~ تنفيذ برامج تحضيرية للمسابقات تستهدف الشباب من جميع المكوّنات، ضمن مجهود وطني لبناء القدرات والتدريب،

~ لا مركزية تنظيم مسابقات التوظيف وتوسيع مجال النشر والإعلام حول فرص الولوج إلى الوظائف العمومية.

~ إنشاء هيئة مستقلة لمراقبة التنوع  والتكامل الاجتماعي داخل الإدارة العمومية، وإعداد تقرير دوري شفاف عن الحالة العامة.

*ختاما

في وطن تتعايش فيه ثقافات وهويات متعددة، لا يمكن لأي دولة أو حكومة أن تضمن وحدة حقيقية ما لم يكن الشعب ملتزماً بالعيش معاً. فالوحدة الوطنية لا تُفرض بقانون ولا مرسوم، بل تُبنى من خلال الإرادة المشتركة والالتزام الجماعي بالعيش المشترك .. والعيش المشترك ليس خيارًا ثانويًا، بل ضرورة وجودية، وليس مسألة مؤسسات بقدر ما هو مسألة وعي وثقافة مبنية على قيّم التشارك والإنصاف وضبط النفس والمسؤولية الجماعية؛ ثقافة لا يمكن فرضها، إما أن يمتلكها المرء،  أو لا  ..

وفقنا الله جميعا لما فيه خير البلاد والعباد.