
في زمنٍ يتربصُ فيه النقدُ بكلِّ حرف، آثرتُ أن أعودَ بكتابتي إلى العصرِ الكوفيّ؛ إذ الرسمُ يتسعُ للمعاني ويضيقُ عن التأويلاتِ السطحية، وذلك كي لا تلتبسَ الوجوهُ خلفَ غبارِ السياسةِ وتصانَ الكلمةُ من لائمةِ الحرفِ وسرّه. فالمتمكنُ وحده يدركُ المقصدَ حين يختلطُ في الأفقِ صوتُ الريحِ بحفيفِ قلمٍ تحتَهُ ورقةٌ تذروها الرياحُ بما فيها من محتوى؛ حيثُ إنَّ رمالَ السياسةِ تتحركُ اليومَ بذاتِ القوةِ التي تتبعثرُ بها رمالُ موريتانيا تحتَ وطأةِ العواصفِ السياسية.
فليست هذه الرياحُ التي تغطي سماءَ انواكشوط مجردَ طقسٍ عابر، بل هي الغطاءُ المثاليُّ لإعادةِ ترتيبِ الأوراقِ خلفَ الكواليس؛ فبينما يغلقُ الناسُ نوافذَهم هرباً من الغبار، تُفتحُ نوافذُ القصورِ لدعوةِ الأحزابِ إلى التشاورِ في مفارقةٍ عجيبة، إذ تمهدُ الريحُ التي تعمي الأبصارَ طريقاً لتسوياتٍ صامتةٍ لا تُسمعُ إلا في قلبِ السكون، من خلفِ ضبابِ الشحوب؛ وقد تجري الرياحُ بما لا تشتهي السفنُ.
بقلم: محمد الأمين ولد يحيى يحياوي



