
بينما تتباهى المؤسسات في موريتانيا بالتحول الرقمي، تعيش النخبة المثقفة من المكفوفين في هذا البلد حالة من النفي التقني القسري. ففي ظل غياب برامج وطنية جادة للتدريب على لغة برايل أو تطويع التكنولوجيا، يجد المبدع الكفيف نفسه مضطراً لخوض معركة منفردة؛ سلاحها هواتف باهظة الثمن يقتنيها من حر ماله، وذخيرتها ميزة "الإملاء الصوتي" التي باتت الملاذ الأخير لمن تَضِيقُ بهم العبارة من ذوي الاحتياجات الخاصة وأوصدت في وجوههم أبواب الدعم الرسمي.
لا تكتفي السلطة المعنية بإهمال هذه الشريحة، بل تمارس نوعاً من الهندسة الاجتماعية للإقصاء. فهي قد تمنح برامج تعليم "برايل" تقليدية ومحدودة لمن لا تشكل أصواتهم خطراً على الرواية الرسمية، بينما تترك النخبة الواعية في مهب العزلة التقنية. إن هذا التجهيل الممنهج للمبدعين، خاصة أولئك الذين انضموا قسراً لصفوف المكفوفين من صحفيين وكتاب، هو محاولة لتعطيل أدوات النقد لديهم.
إن الدولة الممثلة في الجهة المعنية بالمكفوفين، بصمتها وتخاذلها عن توفير الوسائل التكنولوجية، تضع رهاناً خاسراً على عزل هذه الأقلام وتغييبها. ولكن، وأمام هذا الواقع المرير، استطاع المبدع أن ينتزع حقه في الوجود عبر "آلية النطق" و"الإملاء الصوتي". لقد تحولت التقنيات الحديثة هنا من مجرد وسيلة إلى قلم بديل يرفض الانكسار، وأداة لتجاوز الفجوة التي أريد لها أن تكون مقبرة للأفكار. نحن لا نستخدم الإملاء الصوتي للرفاهية، بل لنعلن أن العبارة التي تَضِيقُ بها سبل الدولة، ستظل واسعة بصدق أصواتنا.
وأخيراً، إن لجوءنا لآليات النطق والأدوات الرقمية ليس مجرد حل تقني، بل هو فعل مقاومة وصمود ضد سياسة التكميم الممنهج. إننا ننتزع حقنا في التعبير بصدور عارية وأجهزة اشتريناها بأغلى الأثمان، لنثبت أن الفجوة التي اصطنعتها الجهات المعنية «في مديرية الأشخاص ذوي الإعاقة» لن تزيدنا إلا إصراراً على إيصال الحقيقة؛ فصوتنا أقوى من أن يحجبه إهمال، وعزيمتنا أصلب من أن يكسرها تجهيل انخبة في نظام لغة ابرايل للمكفوفين لتغييبهم من التكوين والتأطير .
بقلم: يحياوي محمد الامين ولد يحيى
البريد الإلكتروني: [email protected]



