مشانق الأفكار و الأحرف المعلَّقة في بلاد المنكب البرزخي

جمعة, 02/01/2026 - 12:32

​كُنتُ في "البِلادِ السَّائِبَةِ".. أُغَادِرُ بَلاطَ الخَوْفِ المُؤْلِمِ.. أُرَاوِحُ رِحْلَةَ المَنْفَى.. أَسِيحُ فِيهَا تَائِهاً كَالطَّيْرِ.. أرحلُ من مكانٍ إلى مكان.. ليس طلباً للترحال فحسب.. بل فراراً من الوقوف في نقطةٍ واحدة قد تصبح فخاً. كان الخوفُ جناحيَّ اللذين يدفعانني للغدوِّ والرواح.. باحثاً عن استقرارٍ لا أجدُه إلا في الحركة المستمرة.. هرباً من أن تطالني يدُ الجمود أو سياطُ الرقيب.

​إن الحروف في هذا الوطن لم تعد أدواتٍ للبيان.. بل تحولت إلى مشانق منصوبة وسِنان.. وترنحاً على حبل المشنقة، ورقصاً على أغاني الموت.. وأفاعٍ من الحرف تلتف حول الحناجر.. وحبالاً من الحزن تقتاتُ على نبض الشعور وتمضغُ القلب همّاً. تتدلى منها رؤوس التائهين الذين تجرأوا على البحث عن الحقيقة بين جدران السطور. من فرط الرعب.. أصبحتُ أحمل رأسي فوق كفي وأنا أكتب.. أتحسس عنقي مع كل حرف.. وأهرب من سطوة الرقيب إلى "هذيان" مقصود. لم تعد كلماتي عبارات مفهومة.. بل استمالت لتصبح لوحات تشكيلية من الوجع.. وطلاسم من القهر لا يفك شفرتها إلا من ذاق مرارة السلب.

​لقد نُحر الضمان الاجتماعي.. وأُسقط الضمان الصحي من حسابات البقاء.. واغتُصب المأوى.. ولم يتبقَّ لي سوى ريشة مغموسة في نزيف الخوف. أرسم بالكلمات ما لا أجرؤ على نطقه.. محاولاً النجاة برأسي في وطنٍ يرى في الوضوح جريمة.. وفي العيش الكريم أو العلاج حقاً مستبعداً.

​اِنْتَحَيْتُ في "المنكبِ البرزخي" وطناً للغرباءِ.. عابراً إلى الضفة الأخرى بحثاً عن شواطئ الأمان.. جعلتُ من صَمْتي مِحْراباً ومن عصايَ قلماً يخطُّ مساراً سريالياً لا يدركهُ المبصرون. هذه العصا هي عصا موسى التي تلقفُ ما يأفكون.. ومِنْسَأةُ سليمان التي أقفُ بها في منارةِ الحكمة.. وعصا شعيب التي أهشُّ بها عن كوني التجريدي. هي دبوسُ القائدِ الذي يشيدُ مجسماتٍ تلامسُ السماء.. فليكسروا الأقلامَ كما شاؤوا.. وليحجبوا الضياءَ عن العيون.. فإنها لا تعمى الأبصارُ ولكن تعمى القلوبُ التي في الصدور. فهل سيتركون لي هذا اليقين في هذا السهل الممتنع.. أم سيسلبون ما تبقى من حريتي؟

​بقلم: يحياوي محمد الأمين ولد يحيى